صنعاء نيوز/إيهاب مقبل -
في ظل التصاعد المستمر للصراع الاستخباري غير المعلن في الشرق الأوسط، لم تعد أنشطة أجهزة الاستخبارات محصورة في الميدان العسكري أو الأمني التقليدي، بل امتدت بشكل متزايد إلى الفضاءات الفكرية والمعرفية. وفي هذا السياق، تبرز مراكز الأبحاث كأحد الأهداف غير المباشرة المحتملة، ولا سيما من قبل جهاز الموساد الإسرائيلي، الذي يُعرف باعتماده على أساليب جمع معلومات هادئة وطويلة الأمد، تركّز على التحليل والسياق أكثر من تركيزها على الاختراق المباشر.
تشير التقديرات الحديثة إلى أن هناك أكثر من 50 مركزًا بحثيًا وفكريًا في العراق منتشرة بين مؤسسات مستقلة وجامعية وحكومية على اختلاف أشكالها ومسمياتها. هذا العدد الكبير من المراكز يعكس انفتاحًا معرفيًا مهمًا، لكنه في الوقت نفسه يمثل حقلًا واسعًا يمكن أن يُستغل لجمع معلومات تحليلية إذا غاب عنه إطار قوي للحوكمة وأمن المعلومات، لا سيما في المراكز التي تتلقى تمويلًا خارجيًا أو لها علاقات بحثية دولية واسعة.
إن التحذير الوارد هنا موجَّه أساسًا إلى الحكومة العراقية، ويقوم على مقاربة وقائية واستباقية، لا على الاتهام أو التخوين. فالإشارة إلى مخاطر محتملة لا تعني الادعاء بوجود اختراق فعلي، وإنما تعكس فهمًا لطبيعة عمل الموساد وغيره من الأجهزة الاستخبارية الحديثة، التي تعتمد على استغلال البيئات المفتوحة، والمصادر غير الواعية بدورها، والمعلومات المتاحة علنًا أو المتداولة بشكل غير رسمي.
وتشير الخبرة الاستخبارية المقارنة إلى أن اهتمام الموساد يتركّز بدرجة أكبر على مراكز الأبحاث التي تتلقى تمويلًا خارجيًا أو ترتبط بشراكات دولية واسعة، لما توفّره هذه المراكز من قنوات تواصل طبيعية مع جهات أجنبية، وما تملكه من قابلية أعلى لتبادل الأفكار والبيانات والتحليلات خارج الأطر الرسمية. والأكثر حساسية هو تركيز هذا الاهتمام على الطلبات الشفهية وغير الموثَّقة لإجراء بحوث أو إعداد أوراق تحليلية أو تقديم آراء خبراء، إذ أن هذه الطريقة تمنح المرونة لجمع معلومات تحليلية وسياقية، دون ترك أثر توثيقي يمكن ملاحظته، وتتيح الحصول على رؤى عن اتجاهات التفكير قبل أن تتحول إلى سياسات رسمية.
إن نوعية المعلومات التي يهم الموساد جمعها في هذا السياق تتجاوز البيانات الخام أو الوثائق الرسمية، وتركز على الاتجاهات الفكرية داخل النخب العراقية، والتقديرات غير الرسمية للمشهد الأمني والسياسي، وخرائط العلاقات والتوازنات بين الفاعلين، والمؤشرات المبكرة على تغيّر السياسات، وتقييم الفاعلين غير الحكوميين، والمزاج العام للشارع كما تعكسه النخب، ونقاط الضعف البنيوية في الدولة والمجتمع. كما يُنظر إلى الباحثين أنفسهم كـمصادر سياقية أكثر من كونهم عملاء، حيث تهم الاستخبارات طريقة تفكيرهم، مستوى وصولهم، طبيعة تحليلاتهم، ومدى تحفظهم أو جرأتهم في التعبير عن الآراء.
كمثال توضيحي لطريقة عمل الموساد: قد يُطلب من باحث أو مركز تقديم معلومات حول توجهات جماعة سياسية معينة عبر دراسة غير رسمية أو مقابلات مفتوحة. يقوم الموساد بجمع هذه المعلومات كجزء من تحليل أوسع، حيث يتم ربطها مع بيانات أخرى عن علاقات الشخصيات، وتحركاتهم، وتصريحاتهم العامة، ليكوّن خريطة دقيقة للتوازنات السياسية واتجاهات القرار دون الحاجة لاختراق رسمي أو تجنيد مباشر لأي مسؤول. هذا المثال البسيط يوضح كيف يمكن لمعلومة تبدو بسيطة أو عامة أن تتحول إلى جزء من صورة استخبارية استراتيجية.
وتكمن خطورة هذا النمط من الاستغلال في أنه لا يتطلب اختراقًا مباشرًا للمؤسسات السيادية، ولا تجنيد مسؤولين كبار، بل يعتمد على تراكم المعلومات التحليلية التي قد تبدو عادية، ثم ربطها وتحليلها ضمن صورة استراتيجية أوسع. وهنا تتحول مراكز الأبحاث، دون قصد، إلى جزء من المشهد المعلوماتي الذي يستفيد منه الموساد لفهم التوازنات السياسية واتجاهات القرار وطبيعة النقاش داخل النخب العراقية. وتجدر الإشارة إلى أن الموساد نجح في الفترة الأخيرة في اختراق مؤسسات ودائرة بحثية في إيران، وهي دولة معروفة بقوتها الأمنية والاستخبارية، ما يوضح أن أي دولة ليست محصنة تمامًا ضد استغلال هذه الأجهزة، وهو ما يضاعف ضرورة اليقظة تجاه العراق، الذي قد تكون بيئاته البحثية أكثر انفتاحًا وأقل تنظيمًا أمنيًا.
وتزداد قابلية مراكز الأبحاث لمثل هذا الاستغلال عندما تغيب سياسات واضحة لأمن المعلومات، أو تضعف الحوكمة الداخلية، أو لا توجد آليات تلزم بتوثيق الطلبات البحثية ومصادرها وأهدافها. كما تتعاظم المخاطر في ظل النشاط الرقمي غير المنضبط، واستخدام وسائل اتصال غير مؤمّنة، وغياب التدريب الأساسي للباحثين في ما يتعلق بالفصل بين ما هو تحليلي مشروع وما قد يشكّل تسريبًا غير مقصود.
من هنا، فإن مسؤولية الحكومة العراقية تتمثل في التعامل مع هذا الملف بوصفه جزءًا من الأمن الوطني المعرفي. والمطلوب ليس تقييد عمل مراكز الأبحاث أو التشكيك في وطنيتها، بل وضع إطار وطني لحوكمتها يضمن استقلالها الفكري، وفي الوقت نفسه يحصّنها من محاولات الاستغلال الاستخباري، وخصوصًا من قبل الموساد الإسرائيلي. ويشمل ذلك تنظيم مسألة التمويل الخارجي بشفافية، وإلزام المراكز بتوثيق جميع الطلبات البحثية وعدم الاكتفاء بالاتصالات الشفهية، إلى جانب اعتماد سياسات واضحة لأمن المعلومات وإدارة الشراكات الدولية.
وفي حال الاشتباه بحدوث استغلال معلوماتي فعلي، فإن التعامل معه يجب أن يكون مؤسسيًا وقانونيًا وهادئًا، يركّز على معالجة الثغرات والإجراءات بدل استهداف الأشخاص، وبعيدًا عن الإعلام والاتهامات العلنية. فالهدف الأساس يجب أن يكون الإصلاح ومنع التكرار، لا خلق مناخ من الشك أو الخوف داخل الوسط البحثي.
إن حماية مراكز الأبحاث العراقية من محاولات الاستغلال الاستخباري الإسرائيلي ليست دعوة إلى الانغلاق أو الانعزال عن العالم، بل شرط أساسي لصون دورها الوطني وضمان مساهمتها الآمنة في بناء الدولة. فالدولة القوية هي التي تحمي مؤسساتها الفكرية بالوعي والحوكمة والوقاية، لأن كلفة الوقاية اليوم أقل بكثير من كلفة المعالجة غدًا.
انتهى
|