صنعاء نيوز/إيهاب مقبل -
تتباهى السويد بصورة الدولة المتقدمة إنسانيًا وتعليميًا، لكنها في الواقع تدير واحدة من أكثر الأزمات التعليمية إنكارًا وخطورة في أوروبا. أزمة لا تبدأ من نقص الموارد ولا من ضعف القوانين، بل من إضعاف المعلم بشكل منهجي تحت شعار حقوق الطالب. ما يجري اليوم في المدارس السويدية ليس توازنًا، بل انحيازًا فاضحًا، وستكون له عواقب باهظة لا يمكن الهروب منها.
تم تحويل حقوق الطفل من مبدأ إنساني ضروري إلى أداة سياسية وإدارية تُستخدم لقمع المعلم. أصبح المعلم الطرف الوحيد في الصف الذي يُطالَب بالتحمّل، بالصبر، وبـ"التفهّم"، بينما يُمنَح الطالب حصانة شبه كاملة من المحاسبة. الشكاوى تُقدَّم بسهولة، والتحقيقات تبدأ فورًا، والإدارات غالبًا تختار حماية نفسها بدل حماية معلميها. النتيجة ليست مدرسة آمنة، بل بيئة يسودها الخوف، ويُدرَّس فيها المعلم وهو يحسب كل كلمة وكل نظرة.
أمثلة واقعية: في مدارس ثانوية في ستوكهولم، أبلغ معلمون عن طلاب يرفضون تنفيذ الواجبات ويهاجمون المعلمين لفظيًا، ومع ذلك لا يُسمح لهم بالطرد أو العقوبة، ويضطر المعلم إلى الاستمرار في التدريس تحت التهديد. وفي غوتنبرغ، أفادت تقارير نقابية بأن إدارة مدرسة واحدة تعاملت مع اعتداء جسدي من طالب على معلم بكتابة تقرير فقط، دون أي إجراء فعلي، خوفًا من شكوى ولي الأمر. وفي بعض المدارس يُستثمر المال في تلميع صورة المدرسة لدى أولياء الأمور بدلاً من دعم المعلمين أو الصفوف، مما يزيد الضغط على المعلّمين ويفاقم أزمة التوظيف.
في السويد، التعليم غالبًا ما يكون فرديًا وليس جماعيًا. هذا يعني أن على المعلم أن يتابع احتياجات كل طالب على حدة، يخطط لدروس مخصصة، ويعدل أساليب التعليم حسب مستوى كل طفل. مع عدد الطلاب الكبير في بعض الصفوف ونقص المعلمين، يتحوّل هذا النهج إلى عبء هائل على المعلم، ويزيد من الإرهاق النفسي والجسدي ويفاقم أزمة الانضباط والجودة التعليمية.
بجانب الضغط الناتج عن التعليم الفردي، المعلمون يقضون وقتًا كبيرًا في مهام إدارية مثل كتابة تقارير مفصلة لكل طالب، متابعة خطط التعليم الفردية، الاتصال بأولياء الأمور، وحضور الاجتماعات الرسمية مع ولي أمر كل طالب يشرف عليه. هذه المهام قد تأخذ أكثر من نصف يوم المعلم، ما يقلل الوقت المتاح لتخطيط الدروس وشرح المواد وتصحيح الواجبات. كثير من هذه الأعمال لا تضيف قيمة مباشرة للتعلم، لكنها مطلوبة لأغراض الرقابة وحماية الإدارة قانونيًا. النتيجة معلم متعب، أقل قدرة على التركيز على جودة التعليم، وزيادة الإرهاق النفسي والجسدي.
الإعلام شريك مباشر في هذا الخلل. قصص الطالب "الضحية" تُباع بسرعة، بينما تُدفن قصص المعلمين المُهانين، المهدَّدين، والمحترقين نفسيًا. المعلم يُقدَّم كرمز سلطة يجب الشك فيه، لا كإنسان يؤدي وظيفة حيوية. سياسيًا، الأمر أوضح: الدفاع عن الطالب شعبوي ومربح انتخابيًا، أما الدفاع عن المعلم فمغامرة غير مرغوبة. وهكذا، يتم التضحية بالمعلم دون ضجيج، لأنه الطرف الأقل كلفة سياسيًا. حتى نقابة المعلمين غالبًا تُكمم أفواهها أو تتجنب النقد العلني، خوفًا من الضغط السياسي والإداري، مما يزيد شعور المعلمين بالعزلة ويضعف الدفاع عن حقوقهم.
المشكلة الرئيسية تعود إلى أن السياسيين السويديين غالبًا يهتمون بوضعهم الحالي خلال الدورة الانتخابية التي تمتد 4 سنوات فقط، مصالحهم السياسية والمالية هي ما يحركهم، ولا يلتفتون إلى العواقب طويلة المدى على التعليم والمجتمع. كل تحسين حقيقي في التعليم يحتاج رؤية تمتد لعقود، وليس لدورة انتخابية واحدة، لذلك تُؤجل القرارات الصعبة وتظل المعاناة مستمرة.
اقتصاديًا، تتعامل الدولة مع الطالب كرأس مال مستقبلي، ومع المعلم كعبء تشغيلي. أي استثمار حقيقي في المعلم يعني رواتب أعلى، صفوفًا أصغر، حماية قانونية، ودعمًا فعليًا، وكل ذلك "مكلف الآن". لذلك يتم اختيار الطريق الأرخص: "ترك المعلم يحترق ببطء، وتأجيل الحساب". هذا ليس سوء تقدير، بل قرار واعٍ قائم على منطق قصير النظر.
وهنا يظهر البُعد الأخلاقي لهذه الأزمة: السويد، وربما الغرب برمته، تقدم الجانب الاقتصادي على الجانب التعليمي. حماية الطالب باسم حقوقه الاقتصادية المستقبلية أصبحت أولوية على تعليمه الفعلي اليوم وعلى احترام المعلم وحقوقه الإنسانية. التعليم يتحول إلى رقم في الميزانية، لا إلى رسالة أخلاقية واجتماعية، والمجتمع يربح كفاءة قصيرة المدى على حساب القيم الطويلة المدى.
الأزمة الحالية في أرقام
عدد كبير من المعلمين يغادرون المهنة بسبب ضغط العمل، الإرهاق، والبيئة المهنية السيئة، على الرغم من أن عدد من يتخرجون في برامج التعليم يزداد. يُقدَّر أن حوالي 15% من جميع الحاصلين على شهادة تعليمية في السويد (حوالي 35 ألف شخص) لم يعودوا يعملون كمعلمين، والنسبة أعلى بين المعلمين المهنيين، حيث يصل المغادرون إلى 25%.
الأسباب الرئيسية لترك المهنة تشمل الضغط والإرهاق وهو العامل الأكثر شيوعًا، بما في ذلك الأحمال العالية والعمل الإضافي، وشعور المعلمين بعدم وجود الأدوات أو الظروف المناسبة للقيام بعملهم، بجانب الوقت الكبير المخصص للأعمال الإدارية مقابل التدريس ما يزال يشكل ضغطًا كبيرًا.
النتائج لم تعد نظرية. السويد تعاني اليوم من نقص حاد في المعلمين، ومن هروب متزايد من المهنة، ومن عزوف الأجيال الجديدة عنها. ومع كل معلم يغادر، ينخفض مستوى التعليم خطوة أخرى. الصفوف تزداد ازدحامًا، التوقعات تنخفض، التقييم يُفرَّغ من معناه، والطلاب يُدفَعون للأمام دون أن يمتلكوا الأدوات الأساسية. ما يُسمّى "نجاحًا تعليميًا" أصبح في كثير من الأحيان مجرّد أرقام تُجمَّل إداريًا.
أمثلة على تراجع الجودة التعليمية: نتائج اختبار PISA 2018 أظهرت أن السويد تراجعت بشكل ملحوظ في الرياضيات والعلوم مقارنة بدول الشمال الأوروبي الأخرى، خاصة في المدارس الواقعة في المناطق الفقيرة والمهاجرة. وفي دراسة أجرتها هيئة الرقابة التعليمية السويدية أظهرت أن أكثر من نصف المدارس في بعض البلديات لم توفر بيئة صفية آمنة، ووجود الطلاب المخلين بالنظام أكثر من المعلّمين قادر على التعامل معهم.
الخطورة الحقيقية أن هذا الانهيار لا يبدو كارثيًا بعد، لأن التعليم لا ينهار بصوت عالٍ. نتائجه تتأخر، ويبدأ تأثيره الحقيقي على مراحل زمنية واضحة:
1. المرحلة الحالية (2026–2031): أزمة تراكمية، مؤشرات تدهور مهاري على مستوى الطلاب، لكن النظام "يعمل" شكليًا.
2. المرحلة المتوسطة (2031–2045): انهيار واضح في جودة التعليم على مستوى المدارس العامة، فجوات اجتماعية ومهارية كبيرة، تكاليف اجتماعية واقتصادية ضخمة.
3. مرحلة الدفع الحقيقي للثمن بعد 2045: النظام يبدأ بدفع الثمن الاقتصادي والاجتماعي، مع محاولات إصلاح قسرية ومتأخرة، بعد أن يغادر كثير من المعلمين وتضرر جيل أو جيلان من الطلاب.
بعد هذه المراحل، سيظهر تمامًا أن السياسات التي تهدف إلى حماية الطالب على المدى الطويل، قد دمرت العامل الأساسي لتحقيق هذا الهدف: "المعلم القوي والصف المنضبط". فلا تعليم بلا معلم، ولا مساواة بلا صف منضبط، ولا اقتصاد مستقر بجيل تعلّم في بيئة تُخيف من يُدرّسه أكثر مما تُحاسب من يتعلّم.
النهاية المتوقعة ليست إصلاحًا شجاعًا، بل تصحيحًا متأخرًا ومكلفًا، ولن يكون المعلم أول المستفيدين من هذا التصحيح. هذه ليست أزمة تعليم فقط، بل أزمة قرار، أخلاق، وتأجيل، وإنكار. والثمن، مهما طال الانتظار، قادم لا محالة.
المراجع
https://www.scb.se/en/finding-statistics/statistics-by-subject-area/education-and-research-in-the-higher-education-sector/population-education-and-study-participation/teachers-outside-the-profession/pong/statistical-news/teachers-employment-2025
https://www.scb.se/contentassets/2ca63408535e45f782218da09803577e/uf0551_2022a01_br_a40br2306.pdf
https://nordictimes.com/the-nordics/sweden/former-primary-school-teachers-least-inclined-to-return-to-the-profession/
https://swedenherald.com/article/swedish-teachers-report-high-job-satisfaction-despite-stress
انتهى
|