صنعاء نيوز/ الكاتب/ اسعد عبدالله عبدعلي -
يحتفل المسلمون المخلصون سنويا بعيد مولد الامام علي (ع), والذي يصادف 13 من شهر رجب, ودعني اقول وانا على يقين: ان في سجل التاريخ محطاتٌ تتجاوز حدود المألوف، وتفاصيل لا تُفسَّر إلا بعناية السماء؛ ومن أبهى واهم واعظم تلك المحطات، هي واقعةُ ولادة الإمام علي بن أبي طالب (ع) في جوف الكعبة المشرفة, لم تكن تلك الحادثة مجرد مصادفة زمانية أو مكانية، بل كانت إعلاناً إلهياً عن بزوغ فجر جديد، وتشريفاً لبيت الله بمن سيغدو لاحقاً حامياً لراية التوحيد وربيباً لرسول الله (ص).
دلالات هذا الحدث الفريد الذي لم يسبقه إليه أحد ولم ينله بشر سواه، وقد تلاحمت قدسية المكان مع طهارة المولود، لتصنع ملحمة من النور بدأت من قلب القبلة، لتضيء آفاق التاريخ الإسلامي بأسره.
· الاهمية للولادة في جوف الكعبة
اولا علينا ان نُشير الى ان هذه الولادة كانت تحت عناية إلهية خاصة بالإمام علي. فدخول السيدة فاطمة بنت أسد (عليها السلام) إلى جوف الكعبة بعد انشقاق جدارها, كان تلبية لدعوة سماوية, ويُنظر إليه كإشارة سماوية لتهيئة هذا الوليد لدور عظيم في تاريخ الرسالة الإسلامية، وتمييزه عن سائر الصحابة والتابعين بكرامة لم ينلها غيره.
ثانيا يمكننا القول إن الكعبة هي قبلة المسلمين ومركز توحيدهم، وولادة الإمام علي (ع) في جوفها, تعكس ارتباطاً وثيقاً بين التوحيد والولاية, فكما أن الكعبة هي المكان الذي يتجه إليه المسلمون في صلاتهم، كان الإمام علي هو الشخص الذي سيحمي بيضة الإسلام ويذود عن حياض الدين لاحقاً.
الامر الثالث الذي نشير اليه, ان وقوع الولادة في أقدس بقعة على وجه الأرض, يحمل دلالة على طهارة المولد ونزاهة النشأة. فالمكان لا يُسمح فيه بالدنس، وكونه "بيت الله" يضفي صبغة قدسية على الشخصية منذ لحظة بروزها إلى الوجود، مما يهيئه نفسياً وروحياً ليكون "ربيب الوحي" في حجر النبي محمد (ص)
· الاشارات العرفانية لسر الولادة في جوف الكعبة
قرات ذات مرة في احد الكتب المعتبرة, رؤية عميقة جدا لولادة الامام علي (ع) في جوف الكعبة, وترتكز على اربع جهات.. الاولى بما ان علي ولدة في الكعبة وهي القبلة المادية للوجود, مما يعني ان الولي هو قبلة الوجود الروحي... وكما ان الكعبة هي نقطة الاتزان في الأرض، فإن علياً هو نقطة الاتزان في عالم المعنى؛ لذا كان لزاماً أن يخرج "المعنى" من قلب "المبنى"... انها رؤية عميقة جدا لا يدركها الا القليلون.
ثانيا: قضية انشقاق جدار الكعبة, كما يراها العرفاء هو خرق الحجاب المادي, قصة تحمل إشارة باطنية عميقة, فالمغزى من الدخول من الجدار (وليس الباب), يرمز إلى أن مقام علي لا يُنال بالوسائل الظاهرية أو الطرق التقليدية، بل هو فيض يخرق حجب المادة.
ونقل عن صدر المتألهين انه كان يقول: أن الولادة في الكعبة هي إشارة إلى الطهارة المطلقة.. بما أن الكعبة هي "بيت الله" الذي أُمر بتطهيره للطائفين، فإن بقاء علي في جوفه لثلاثة أيام, هو إعلان عن أن روحه من طينة قدسية لا تنجسها الجاهلية.
وهناك اشارة جوهرية وهي: ان الولادة في داخل الكعبة تعني أن علياً "باطن" الشريعة، والكعبة "ظاهرها"؛ فلا يكتمل الظاهر إلا بوجود الباطن في جوفه.
· اخيرا:
يرى المسلمون المخلصون لبيت النبوة, أن علياً عليه السلام هو "قرآن ناطق"، والكعبة هي "بيت صامت"؛ واحتضان الصامت للناطق هو إشارة إلى أن الدين لا يقوم ببناء الأحجار، بل ببناء الإنسان الذي يمثل الحق والعدل والمبدأ الإلهي.
|