صنعاء نيوز/محمد جواد الميالي -
يعتمد رسم السياسة العامة قواعدا وأعرافا، تعتمد كبوصلة تهتدي بها الحكومات، في إدارة شؤون الدولة، أو ربما هي الإطار الذي تُترجم عبره الرؤى لقرارات، وتُحوَّل فيه الموارد لنتائج.
تختلف السياسة العامة باختلاف الاوقات، ففي الرخاء تتسع مساحات المناورة، وتغلب نزعات التوسّع وشراء الاستقرار، وامتصاص التوترات الاجتماعية عبر الإنفاق والتوظيف والدعم، أمّا في أزمنة الانكماش الاقتصادي، فتُختبر قدرة الدولة الحقيقية على التخطيط، وترتيب الأولويات، واتخاذ قرارات غير شعبوية، رغم أنها قد تكون مؤلمة، لكنها ضرورية لبقاء النظام الاقتصادي والسياسي معاً.
لكن هل أمتلك العراق بعد 2003، تجربة حقيقية لبناء السياسة العامة، أم أنه اكتفى بإدارة اللحظة الراهنة والاتكاء على وفرة النفط؟
مع بدايات عام ٢٠٠٩ ودخول البلاد مرحلة "الاستقرار النسبي" وبعد إنحسار سنوات العنف الأهلي، توفّرت فرصة نادرة لبناء دولة مؤسسات متماسكة، غير أن هذه الفرصة أُهدرت، لا سيما خلال الولاية الثانية للسيد المالكي، حين بدد فائض مالي هائل، دون تحويله لبنى تحتية أو إصلاحات مؤسسية، بسبب تبني سياسات إنفاق غير مدروسة، وتضخم في الجهاز الإداري، مقابل غياب شبه تام لرؤية بعيدة المدى، مما جعل الدولة تبدو قوية ظاهرياً، لكنها هشة من الداخل.
رغم تعاقب الحكومات، لم يُعالج الخلل البنيوي وجرى ترحيله، وزاد الطين بلة من خلال سياسات إسترضاء، بلغت ذروتها خلال حكومة الكاظمي، حين تحول التوظيف لأداة تهدئة اجتماعية، دون رؤية تشغيل عقلانية..
هذا رسّخ عرفا خطيرا مفاده، أن التظاهر يقود إلى وظيفة، وأن الضغط في الشارع يُترجم مباشرة إلى امتيازات، مما أضعف هيبة الدولة وعمّق ثقافة الريع، وقطع أي صلة بين الوظيفة العامة والكفاءة أو الحاجة الفعلية.
دخل العراق بعد ذلك أربع سنوات خالية من التخطيط والمحاسبة، فإعفاءات بالجملة وتسويات سياسية، وتغليب منطق "دفن الملفات" بذريعة حفظ الاستقرار، فبدت هذه المرحلة كأنها سنوات صلح وسلام، لكن ما لم يُؤخذ بالحسبان، أو لعلّه أُخذ ولم يُلتفت إليه بجدية، هو أن الدولة العراقية، تعيش على مورد شبه وحيد هو النفط.. وأي اهتزاز بأسعاره يتحول فوراً لزلزال اقتصادي يضرب الموازنة، ويقيد قرار الحكومة ويضيق خياراتها..
انتخابات 2025 وضعت البلاد أمام مفترق طرق، فالحكومة القادمة ستكون مضطرة لإدارة أربع سنوات عجاف، في ظل التزامات مالية ثقيلة، وجهاز إداري متخم، واقتصاد محلي غير منتج، فكيف سيكون العمل حين تجفّ موارد الترضية، ولا تعود الخزينة قادرة على شراء الصمت الاجتماعي؟
هذا سيقودنا لحقيقة ان التجربة الديمقراطية العراقية حالة فريدة، لا تشبه كثيراً ما عرفته الديمقراطيات الأخرى، لأن أعراف ما بعد 2005 قيّدت جوهر العملية السياسية، بحيث لم يعد الوصول إلى الرئاسات الثلاث نتاج رؤية أو برنامج أو كفاءة في إدارة السياسة العامة، وانما للقرب من "زعماء القرار" سواء بالقوة أو بالاصطفاف، أو بالاسترضاء المتبادل، وما يجري في كواليس تشكيل الحكومة الجديدة، يؤشر بوضوح لأن السلطات الثلاث، ستُبنى على قاعدة "لا أحد يبقى زعلان" لا على قاعدة "ميزان السلطة والمعارضة"
اختيار هيبت الحلبوسي رئيساً للبرلمان، ونائبيه، يثبت هذا بوضوح، كما أن رئيس الوزراء يتوقع أن يكون أداة وظيفية، تحت سلطة الإطار التنسيقي، ورئيس برلمان "وليدي" بالمعنى السياسي للسيد الحلبوسي والمجلس السني، مقابل إرادة كردية عبّر عنها السيد بارزاني بوضوح، حين لوّح بتمدد الحزب الديمقراطي الكردستاني من حدود الإقليم إلى مفاصل الحكومة الاتحادية، برسالة فحواها أن القرار الكردي بيده، وعلى الجميع التكيّف معه.
هذه المعادلة، تغيب المعارضة بوصفها ركناً أساسياً في أي نظام ديمقراطي، وسيواجه رئيس الحكومة المقبل معضلة مزدوجة، اقتصاد مأزوم، ونظام سياسي لا يسمح بقرارات جريئة، وأي محاولة للإصلاح ستصطدم بجدار الاسترضاء، وأن الاستمرار في النهج القائم سيقود إلى استنزاف سريع لما تبقى من قدرة الدولة، والمواطن في هذه المعادلة، يقف بين خيارين أحلاهما مرّ، عبث سياسي يعيد إنتاج الأزمات، أو سياسة استرضائية لم تعد قادرة على الوفاء بوعودها.
هل ستفاجئنا السلطة القادمة، وتمتلك شجاعة الانتقال من إدارة التوازنات إلى صناعة السياسة العامة؟ أم أن العراق مقبل على أربع سنوات، يدار فيه بمنطق تأجيل الانفجار لا منطق البحث عن حل؟
الإجابة سنرى بوادرها ربما خلال بضعة اشهر من تشكيل الحكومة، وستحدد ما إذا كانت الديمقراطية العراقية ستخرج من طور العبث، أم ستغرق أكثر في استرضاء، يستهلك الدولة قبل أن ينقذها.
|