صنعاء نيوز/رامي الشمري -
رامي الشمري
image2.jpeg
الإقطاع الدولي الجديد: من يحكم العالم بعد انهيار السيادة؟
لم يعد مفهوم السيادة الوطنية، كما استقر في بنية القانون الدولي عقب الحرب العالمية الثانية، ثابتًا أو محميًا. فقد شكّلت حادثة اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو كما أُعلن عنها وتناقلتها الأوساط السياسية والإعلامية صدمة استراتيجية كشفت أن النظام الدولي دخل طورًا جديدًا، تُدار فيه العلاقات بين الدول بمنطق القوة العارية، لا بمنطق القانون والمواثيق.
هذه الحادثة لا يمكن قراءتها كواقعة معزولة أو استثنائية، بل بوصفها علامة على تحوّل أعمق: عالم يتجه بثبات نحو إعادة إنتاج الإقطاع السياسي، حيث تتحرك القوى الكبرى كسادة إقطاع، وتُعامل الدول الأضعف كأراضٍ مفتوحة، تُخترق متى ما توفّر العذر أو صُنِع.
اعتقال رئيس دولة: كسر القاعدة التأسيسية للسيادة
بحسب ما أُعلن، نُفِّذت عملية عسكرية خاطفة داخل دولة مستقلة، استهدفت رأس السلطة السياسية، وانتهت باعتقال رئيس دولة قائم ونقله خارج أراضي بلاده.
ومهما اختلفت التسميات ( إنفاذ قانون ) ، (مكافحة جريمة عابرة للحدود )، أو (عملية أمنية استباقية ) فإن النتيجة واحدة:
انتهاك مباشر لمبدأ الحصانة السيادية، وتجاوز فجّ للأعراف التي قام عليها النظام الدولي الحديث.
الأخطر من الفعل ذاته هو تطبيعه. فالعالم لم يشهد تعبئة دولية رادعة، ولا موقفًا حاسمًا من المؤسسات الأممية، ما يعني أن كسر القاعدة التأسيسية للسيادة لم يُواجَه بكلفة سياسية تُذكر، وكأن الأمر بات مقبولًا ضمنيًا.
دلتا فورس: من صورة النخبة إلى أداة فرض الإرادة
في قلب هذا الجدل تقف وحدات العمليات الخاصة الأميركية، وعلى رأسها دلتا فورس.
هذه الوحدة التي طالما جرى تسويقها كقوة نخبوية لمكافحة الإرهاب، يُعاد طرحها اليوم بوصفها أداة سياسية تعمل خارج الضوء، تُستَخدم حين تفشل الدبلوماسية، وحين لا يكفي الحصار الاقتصادي والعقوبات لإخضاع الخصوم.
الهالة الإعلامية التي أُحيطت بهذه الوحدة لم تكن سوى غطاء لآلية عمل تقوم على:
• الإنكار القانوني
• الغموض العملياتي
• تنفيذ الاعتقال والاغتيال والتخريب السيادي
• العمل بملابس مدنية لتفادي أي مساءلة قانونية أو أخلاقية
في هذا السياق، لا تبدو هذه الوحدات كقوى تحارب الفوضى، بل كأدوات تديرها وتُنتجها، لإعادة تشكيل الأنظمة السياسية بما يخدم موازين القوة، لا القيم المعلنة.
العالم الجديد: عودة الإقطاع الدولي
تكشف حادثة فنزويلا ملامح عالم آخذ في التشكل، عالم تُعاد فيه صياغة القواعد على النحو الآتي:
• القوة هي مصدر الشرعية
• القانون يُطبَّق انتقائيًا
• الدول غير القادرة على الردع تُعامل كمساحات اختبار
هذا الواقع يفتح الباب، منطقيًا وعمليًا، أمام سلوك مماثل من قوى كبرى أخرى. فإذا جاز اعتقال رئيس دولة بالقوة العسكرية خارج أي تفويض دولي، فما الذي يمنع روسيا أو الصين من اعتماد المنطق ذاته ضد خصومهما، كلٌّ بحججه الخاصة؟
نحن، إذن، لسنا أمام فوضى عشوائية، بل أمام نظام إقطاعي عالمي جديد:
كل قوة كبرى تُمسك بإقليم نفوذ،
وكل توسّع يحتاج إلى ذريعة،
وكل حرب تبدأ بعنوان ( أمني ) أو ( قانوني ).
السؤال النووي: هل الأمان حكر على من يملك الردع؟
تفرض هذه الحادثة سؤالًا وجوديًا على الدول المتوسطة والصغيرة:
هل أصبح امتلاك السلاح النووي أو ما يعادله ردعيًا ، هو الضمانة الوحيدة المتبقية للسيادة؟
التجارب الحديثة توحي بإجابة مقلقة:
• الدول النووية لا تُمسّ
• الدول غير النووية قابلة للكسر
• التحالفات لا تكفل الحماية عند لحظة الحقيقة
وهكذا، يتحوّل الأمن الدولي من منظومة قانونية جماعية إلى معادلة ردع فردية، ينجو فيها الأقوى، ويُختَبَر الأضعف.
خاتمة: عالم بلا سقف قانوني
إن اعتقال رئيس فنزويلا بغضّ النظر عن الموقف من نظامه ليس قضية فنزويلية فحسب، بل سابقة عالمية.
سابقة تقول بوضوح إن:
• السيادة لم تعد خطًا أحمر
• المؤسسات الدولية عاجزة
• القوة الخاصة حلّت محل الشرعية
نحن أمام عالم أقل أمانًا، وأكثر وقاحة في استخدام القوة،
عالم تُدار فيه السياسة بفرق الظل،
وتُعاد فيه كتابة الخرائط تحت عناوين زائفة.
|