صنعاء نيوز/ بقلم: د. غسّان شحرور -
يحتفل العالم في الرابع من كانون الثاني/يناير بـ اليوم العالمي للبرايل منذ عام 2019، اعترافًا بأن هذا النظام اللمسي ليس مجرد تقنية، بل لغة كاملة تتيح للمكفوفين القراءة والتعلّم والتعبير، وممارسة حقوقهم على قدم المساواة مع الآخرين. فبرايل، كما نصّت اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، مدخلٌ أساسي إلى التعليم، وحرية التعبير، والاستقلالية الفكرية، وشرطٌ لا غنى عنه لمواطنة كاملة وفاعلة.
وقد ابتكر لويس برايل نظامه القائم على ست نقاط في القرن التاسع عشر، ليصبح حجر الأساس في تعليم المكفوفين واندماجهم الاجتماعي. واليوم، ومع تطور التكنولوجيا، لم يتراجع دور برايل، بل ازداد حضورًا. فالذكاء الاصطناعي أعاد تأكيد أهميته من خلال الترجمة الفورية للنصوص والكلام إلى برايل، وتطوير شاشات ديناميكية، وابتكار وسائل تعليم تفاعلية تعتمد على اللمس والصوت، مما جعل تعلم برايل أكثر سهولة وانتشارًا. وهكذا، لم يعد السؤال عن بقاء برايل، بل عن كيفية توظيف التكنولوجيا لتعميق دوره بوصفه لغة للمعرفة والحرية.
وفي سياق موازٍ، يحتفل العالم في الخامس عشر من تشرين الأول/أكتوبر بـ اليوم العالمي للعصا البيضاء، وهو تقليد انطلق عام 1980 بجهود جمعيات المكفوفين، لتأكيد حقهم في التنقل الآمن والمستقل. فالعصا البيضاء ليست مجرد أداة مساعدة، بل رمزٌ للاستقلالية الجسدية، وإشارةٌ للمجتمع بأن الشخص الكفيف موجود في الفضاء العام، يتحرك بثقة، ويطلب الدعم عند الحاجة دون وصاية أو شفقة.
وتستثمر الجمعيات والمراكز هذه المناسبات لإطلاق حملات توعوية تُعرّف المجتمع بإنجازات المكفوفين والتحديات التي يواجهونها، وتشجّع على احترام استقلاليتهم وحقهم في المشاركة الكاملة. وقد تزايد الاهتمام بالتدريب على استخدام العصا البيضاء خلال العقود الماضية، بالتوازي مع الجهود الدولية الرامية إلى تعزيز حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، كما أكدت عليها الاتفاقية الدولية ذاتها.
ورغم التقدم الملحوظ، ما تزال مؤسساتنا العربية تعاني نقصًا واضحًا في البرامج التدريبية المتخصصة في مهارات التعرّف والتنقل، وفي إدماج هذه المهارات ضمن السياسات التعليمية والخدمات العامة. وقد تناولتُ هذه الجوانب في كتابي «أحاديث في تأهيل المكفوفين: دليل التعرّف والتنقل (طريق الاستقلالية)» الصادر عام 2009، حيث أكّدت ضرورة تدريب المكفوفين على استكشاف البيئة، وتوظيف الحواس الأخرى، والاستفادة من البقايا البصرية، وتقنيات المرشد المبصر، والتنقل بالعصا البيضاء، واستخدام وسائل النقل العامة بأمان واستقلالية.
تحية إلى كل من لا يستطيع أن يرى ويقرأ هذه السطور
وفي هذه المناسبة، نتوجّه بالتحية إلى أبناء وبنات مجتمعنا من المكفوفين، وإلى أسرهم، وجمعياتهم، والعاملين معهم، والمتطوعين الذين يسهمون في بناء مجتمع يتّسع للجميع، ويقوم على الكرامة، والحقوق المتساوية، والاعتراف بالإنسان قبل الإعاقة.
ولا أنسى ما قالته لي إحدى السيدات الكفيفات خلال أحد لقاءات المتطوعين:
«إن إعاقتي الحقيقية ليست في بصري، بل في مجتمعٍ يرفض أن يتقبّلني كما أنا… مواطنة عادية.»
ولعل أصدق احتفاء بهذه الأيام العالمية ألا نكتفي بالتحية والرمز، بل أن نترجمها إلى التزام عملي:
تشريعات دامجة، وبرامج تدريبية مستدامة، وبيئات حضرية يمكن للجميع أن يتنقلوا فيها بثقة وكرامة.
---
Sent from my iPhone
|