صنعاء نيوز/رسل جمال -
أثارت الولايات المتحدة الأميركية عاصفة بروباغندا إعلامية مدروسة عقب نشرها صورًا للرئيس الفنزويلي، في مشهدٍ لم يكن بريئًا أو عفويًا. سرعان ما استدعت الصورة ذاكرة جمعية مثقلة بالمشاهد الصادمة، ليربط روّاد مواقع التواصل الاجتماعي بينها وبين مشهد اقتياد اصدام حسين على يد القوات الأميركية؛ ذلك المشهد الذي سُوّق حينها بوصفه انتصارًا لقوة خارقة قادرة على تنفيذ أعقد العمليات، قبل أن تكشف الوقائع لاحقًا أن ما جرى كان نتيجة وشاية وخيانة من الداخل، لا تفوقًا عسكريًا أسطوريًا كما ادّعت واشنطن ولا هم يحزنون.
إعادة إنتاج المشهد بالصورة ذاتها والكيفية نفسها ليس تفصيلًا عابرًا، بل تكتيك إعلامي محسوب بعناية، يهدف إلى ترسيخ فكرة واحدة في العقل الجمعي: أن الرئيس الفنزويلي يشكّل تهديدًا للأمن القومي والعالمي، تمامًا كما صُوّر صدام حسين سابقًا. آنذاك كانت الذريعة امتلاك أسلحة الدمار الشامل، تلك «الكذبة الكبرى» التي وُصفت لاحقًا بأنها كذبة القرن، واليوم تتبدّل الذرائع بينما يبقى الجوهر واحدًا: شيطنة الخصم تمهيدًا لعزله أو كسره.
الحدث برمّته يحمل صورتين متوازيتين:
الصورة الأولى تكشف سعي الولايات المتحدة إلى إعادة تموضعها الاستراتيجي على المسرح الدولي بوصفها «الأمر الناهي». غير أن حقيقة ما جرى في فنزويلا تفضح هشاشة هذا الادّعاء؛ فلم تُسجّل مواجهات عسكرية تُذكر، ولم تُظهر قوات النخبة الأميركية أي معارك تُثبت تفوقًا ميدانيًا، بل جرى تقييد الرئيس من داخل غرفة نومه، هو وزوجته، بهدوء تام. مشهد لا يعكس قوة خارقة بقدر ما يكشف عن تهيئة داخلية مسبقة، وأرضية ممهدة عنوانها الأبرز: الخيانة من الداخل.
أما الصورة الثانية، وهي الأخطر، فتتمثّل في كسر وهم السيادة الوطنية للدول. الرسالة هنا لا تُوجَّه إلى فنزويلا وحدها، بل إلى العالم بأسره: لا قدسية لحدود الدول، ولا حصانة للرؤساء، والمشهد قابل للتكرار متى ما اقتضت المصلحة الأميركية ذلك. إنها سياسة الترهيب بالصورة، حيث تسبق البروباغندا الرصاصة، وتُدار الحروب في الوعي قبل أن تُدار على الأرض.
ردّات الفعل الارتدادية لهذا الحدث لن تتوقف عند حدود فنزويلا. على المستوى الدولي، سيُعمّق هذا المشهد حالة انعدام الثقة بين الدول، خصوصًا تلك التي ترى في نفسها هدفًا محتملاً لسياسات الهيمنة. ستتجه بعض الدول إلى تشديد قبضتها الأمنية الداخلية، ليس حمايةً للسيادة بقدر ما هو خوفٌ من سيناريو الخيانة والاختراق من الداخل. وفي المقابل، ستسعى قوى دولية منافسة للولايات المتحدة إلى استثمار هذا الحدث إعلاميًا وسياسيًا، بوصفه دليلًا إضافيًا على ازدواجية المعايير الأميركية وشعار «القانون الدولي» الذي يُستخدم انتقائيًا.
أما شعبيًا، فإن هذا المشهد سيُعيد إحياء خطاب المظلومية، ويُغذّي نزعات العداء تجاه الولايات المتحدة في مناطق واسعة من العالم، لا سيما في دول عاشت تجارب مشابهة. كما سيعزز قناعة متنامية بأن ما يُسمّى بالنظام الدولي القائم على القواعد ليس سوى غطاء هشّ لقانون القوة، وأن الإعلام بات السلاح الأكثر فتكًا في صناعة الشرعية الزائفة لأي تدخل.
في هذا السياق، لا يمكن قراءة ما جرى في فنزويلا كحدث معزول أو ضربة تكتيكية محدودة، بل كحلقة جديدة في سلسلة طويلة لإعادة تشكيل الوعي العالمي. حيث تُصنع السردية أولًا، وتُهيأ العقول، ثم يُفرض الواقع لاحقًا، تحت عناوين الأمن، والديمقراطية، وحماية العالم… فيما الحقيقة تُقيَّد هي الأخرى، وتُساق بعيدًا عن عدسات الكاميرات
|