صنعاء نيوز/ إيهاب مقبل -
تصريحات مسعود بارزاني الأخيرة حول حلب، التي تحدث فيها عن احتمالات "تطهير عرقي" للأكراد، ليست إلا تكرارًا لنمط قيادته المعروف: تضخيم المخاطر إعلاميًا مع غياب أي تحرك واقعي لحماية المدنيين. الواقع الميداني يكشف الحقيقة: لا يوجد أي تطهير عرقي للأكراد إطلاقًا، فالصراع في حلب هو مواجهات عسكرية محددة بين الجيش السوري وقوات سورية الديمقراطية (قسد)، وليس استهدافًا عرقيًا، ومع ذلك يواصل بارزاني استخدام مصطلحات مبالغ فيها لرفع صورته كزعيم إعلاميًا.
يمكن تشبيه تصريحاته بمجاز: "الرجل يشعل النار ليُظهر أنه يقود القافلة، بينما القافلة نفسها عالقة في الطين"— خطاب بارزاني صاخب، لكنه بعيد عن الواقع الميداني.
الخطاب الإعلامي بدل العمل الواقعي
بارزاني يمتلك علاقات إقليمية ودولية واسعة، كان يمكن أن يستثمرها للضغط على الأطراف المتقاتلة وتقليل الخسائر المدنية، لكنه اكتفى بـ إصدار التصريحات الإعلامية. هذه الظاهرة ليست جديدة؛ فهي امتداد لتاريخه في شمال العراق، حيث اعتمد على الرمزية القومية والإعلامية أكثر من الإدارة الواقعية للأزمات، سواء في قرارات الاستفتاء 2017 أو صراعات السلطة الداخلية بين الفصائل الكردية.
تضخيم الأزمة: لغة الخوف بدل الحقائق
استخدام مصطلح "تطهير عرقي" في مواجهة عسكرية واضحة يعكس مبالغة صارخة وابتعادًا عن الحقائق التاريخية والميدانية. هذا الخطاب ليس مجرد تهويل؛ بل هو أداة لزيادة التوتر بين الأكراد والأطراف السورية والدولية، ويخاطر بجعل المدنيين أكثر خوفًا دون أي منفعة حقيقية على الأرض.
الانحياز القومي على حساب الإنسانية
تركيزه على حماية الأكراد فقط، مع تجاهل المدنيين الآخرين في حلب، يوضح انحيازًا قوميًا صارخًا. القيادة الفاعلة في أزمات مثل هذه تتطلب رؤية إنسانية شاملة تتجاوز الانتماءات القومية، لكن خطاب بارزاني يظل محدودًا داخل إطار قومي ضيق، مما يقلل من مصداقيته ويضعه في مواجهة مع المجتمع الدولي.
سجل سياسي مثير للجدل في شمال العراق
لا يمكن فصل خطاب بارزاني الإعلامي عن تاريخه السياسي في كردستان العراق. سيطرته على الحزب الديمقراطي الكردستاني، وإحتكار عائلته على السلطة والأموال، وقراراته الانفرادية، مثل الاستفتاء على الاستقلال في 2017، أظهرت ميله إلى اتخاذ قرارات شعبوية أو قومية على حساب توافق الكرد أو حماية المدنيين. هذا التاريخ يجعل تصريحاته اليوم مجرد امتداد لنمط قيادة يركز على الصورة الإعلامية أكثر من العمل الواقعي.
وليس هذا الخطاب منفصلًا عن الماضي، بل يجد جذوره في تجربة سياسية دامية لا تزال آثارها حاضرة حتى اليوم.
الحرب الأهلية الكردية: ذاكرة لا يمكن تجاهلها
أكثر الأمثلة وضوحًا على تناقض خطاب "حماية الأكراد" مع الممارسة الفعلية يتمثل في الحرب الأهلية الكردية في منتصف التسعينيات (1994–1997)، حين انخرط الحزب الديمقراطي الكردستاني بقيادة مسعود بارزاني في صراع دموي مع الاتحاد الوطني الكردستاني. تلك الحرب لم تكن مجرد خلاف سياسي، بل مأساة داخلية دفع ثمنها المدنيون الأكراد أنفسهم.
خلال تلك السنوات، قُتل آلاف المقاتلين والمدنيين، ودُمّرت قرى وأحياء كاملة، وتسببت المعارك في نزوح عشرات الآلاف من المدنيين داخل كردستان العراق وخارجه، فضلًا عن انهيار الخدمات، وقطع الرواتب، وانتشار الفقر والخوف. الأخطر من ذلك أن الصراع فتح الباب لتدخلات إقليمية مباشرة، وحوّل كردستان إلى ساحة صراع بالوكالة، بدل أن تكون ملاذًا آمنًا لشعبها.
هذه التجربة التاريخية تطرح سؤالًا جوهريًا: كيف لمن كان طرفًا في حرب أهلية أودت بحياة ونزوح الأكراد أن يتحدث اليوم عن حماية الأكراد عبر خطابات إعلامية مجردة؟
أحداث أربيل 2025 وعشيرة الهركية: عودة الصراع الداخلي
ولم يبقَ هذا النهج حبيس الذاكرة التاريخية، بل عاد إلى الواجهة في أحداث أربيل عام 2025، حين شهدت المدينة ومحيطها اشتباكات داخلية وتطورات أمنية خطيرة، كان من أبرز تداعياتها ما تعرّضت له عشيرة الهركية الكردية على يد قوات من البشمركة التابعة لقيادة مسعود بارزاني.
فبحسب روايات محلية وحقوقية، رافقت تلك الأحداث حملات أمنية واعتقالات، واستخدامًا مفرطًا للقوة، وسقوط قتلى ونزوح عدد كبير من العائلات من مناطقها، في مشهد أعاد إلى الأذهان أساليب إدارة الخلافات بالقوة، بدل الحوار ومعالجة الأسباب البنيوية للأزمات، وعلى رأسها الفقر وأزمة البطالة في كردستان العراق.
ومهما تباينت الروايات الرسمية حول تلك الوقائع، فإن النتيجة كانت واحدة: مدنيون أكراد تضرروا، عائلات نُزحت، ونسيج اجتماعي تصدّع. وهو ما يطرح تساؤلًا مشروعًا حول مصداقية الخطاب الذي يتحدث عن "حماية الأكراد" في الخارج، بينما يواجه أكراد آخرون القمع أو التهجير داخل الإقليم نفسه.
غياب التحرك الدبلوماسي الفعّال
بارزاني لم يستخدم أي من إمكانياته الدبلوماسية لإحداث تغيير على الأرض. رغم علاقاته مع القوى الدولية والإقليمية، اكتفى بالتصريحات الإعلامية، مما يوضح أن تحذيراته لا تتجاوز كونه ضجيجًا إعلاميًا، بلا تأثير ملموس على الصراع أو حماية المدنيين.
الخلاصة: خطاب ضخم، تأثير معدوم
تصريحات مسعود بارزاني حول حلب تكشف نمط قيادته بوضوح: تضخيم المخاطر قوميًا، خطابات إعلامية قوية، مع غياب كامل لأي حلول عملية. الواقع في حلب يثبت أن لا يوجد تهديد تطهير عرقي، بل مواجهات عسكرية محددة بين الجيش السوري وقسد، ومع ذلك يواصل بارزاني رفع شعارات قومية بلا قيمة حقيقية.
الحقيقة الصارخة أن التحذيرات الإعلامية لا تحمي المدنيين، ولا تمنع النزوح، ولا توقف الحروب. ما يحتاجه الأكراد — في سوريا أو العراق — ليس خطابًا عاطفيًا، بل قيادة مسؤولة، دبلوماسية نشطة، ورؤية سياسية تتعلم من أخطاء الماضي بدل إعادة إنتاجها بصيغ جديدة.
انتهى
|