صنعاء نيوز/ بقلم: د.علي ناصر سليمان الزامكي -
قراءة تحليلية استراتيجية في الدور السعودي ومسارات القضية الجنوبية في الحوار الجنوبي–الجنوبي
بقلم: د.علي ناصر سليمان الزامكي، أستاذ الإدارة المالية المشارك – مساعد نائب رئيس جامعة عدن لشؤون الطلاب
يمثل انعقاد الحوار الجنوبي–الجنوبي في المملكة العربية السعودية محطة سياسية مفصلية في مسار القضية الجنوبية، ليس فقط من حيث التوقيت الذي يأتي في ظل تعقيدات المشهد اليمني والإقليمي، بل أيضًا من حيث الجهة الراعية له، فالرعاية السعودية لهذا الحوار تعكس إدراكًا عميقًا بأن أي تسوية سياسية شاملة في اليمن ستظل قاصرة ما لم تعالج القضية الجنوبية من داخلها، وبحوار جامع بين مختلف مكوّناتها، كما أن استضافة الرياض لهذا الحوار تمنحه بعدًا إقليميًا ضامنًا، وتوفر بيئة سياسية أكثر اتزانًا مقارنة بالساحات المحلية التي ما تزال خاضعة لتشابكات أمنية وسياسية معقّدة.
ولفهم طبيعة التحديات التي تواجه هذا الحوار، لا بد من العودة إلى الجذور التاريخية لتشكل الجنوب، حيث عرف قبل قيام الدولة الحديثة نظام السلطنات والمشيخات التي اتسمت بالاستقلال النسبي والتنوع السياسي والاجتماعي، ولم يكن هذا التعدد في جوهره عنصر ضعف، بل كان تعبيرًا عن خصوصية تاريخية وهوية سياسية محلية متجذرة، ومع الاحتلال البريطاني لعدن ومحميات الجنوب، دخلت المنطقة مرحلة أعادت تشكيل بنيتها الإدارية والاقتصادية، دون أن تُلغى الخصوصيات المحلية التي استمرت في التأثير على البنية السياسية والاجتماعية لاحقًا.
ومع استقلال الجنوب في 30 نوفمبر 1967 وإعلان دولة اليمن الجنوبي، دخلت المنطقة تجربة سياسية جديدة وغير مسبوقة، غير أن تبنّي نموذج الدولة المركزية الصارمة، إلى جانب الانقسامات الأيديولوجية، أفضى إلى صراعات داخلية دامية، بلغت ذروتها في أحداث يناير 1986، التي تركت آثارًا عميقة في الوعي السياسي الجنوبي، وما تزال بعض تداعياتها حاضرة في الاصطفافات الراهنة. ثم جاءت وحدة 22 مايو 1990 كخيار استراتيجي تاريخي، لكنها افتقرت إلى آليات تنفيذية تضمن شراكة حقيقية ومتوازنة، ومع حرب 1994 تعززت في الجنوب قناعة بأن الوحدة أُديرت لصالح طرف على حساب آخر، ما أدى إلى تراكم مظالم سياسية واقتصادية واجتماعية أعادت القضية الجنوبية إلى واجهة المشهد.
في هذا السياق برز الحراك الجنوبي السلمي عام 2007 بوصفه تعبيرًا عن تلك المظالم، حيث بدأ كمطالب حقوقية لفئات عسكرية ومدنية أُحيلت إلى التقاعد القسري، قبل أن يتحول إلى حركة جماهيرية واسعة ذات مطالب سياسية تتصل بالهوية والتمثيل والعدالة، ثم تطورت بعض تياراته إلى المطالبة باستعادة الدولة الجنوبية، وتميز الحراك بتعدديته التنظيمية والفكرية وبطابعه السلمي، الأمر الذي جعل القضية الجنوبية تنتقل من نطاق الاحتجاجات الاجتماعية إلى إطار القضية السياسية الوطنية.
ومع اندلاع ثورة 2011 في اليمن ضمن موجة الربيع العربي، دخلت القضية الجنوبية مرحلة جديدة تمثلت في الاعتراف الرسمي بها كقضية سياسية مركزية من خلال المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية، وإدراج الحراك الجنوبي بوصفه ممثلًا أساسيًا عنها في العملية السياسية الانتقالية، وقد مثّل ذلك تحولًا نوعيًا في مسار القضية، حيث أصبحت جزءًا من معادلة التسوية الوطنية التي لا يمكن تجاوزها. ثم جاء مؤتمر الحوار الوطني الشامل (2013–2014) ليشكل أبرز محاولة لمعالجة جذور الأزمة اليمنية، بما فيها القضية الجنوبية، حيث خصصت لها فرق عمل مستقلة، وجرى نقاش معمّق لشكل الدولة وتقاسم السلطة والثروة وضمانات عدم التهميش، وتم التأكيد على بناء دولة اتحادية متعددة الأقاليم، غير أن فشل تنفيذ المخرجات، وانهيار المرحلة الانتقالية. ثم اندلاع الحرب في 2015 حال دون ترجمة تلك التوافقات إلى واقع سياسي.
وبرغم محاولات المملكة العربية السعودية المتواصلة لاحتواء الحرب منذ 2015 من خلال قيادتها للتحالف العربي، وإطلاق عمليتي «عاصفة الحزم» و«إعادة الأمل»، إضافة إلى دعمها ورعايتها لاتفاق الرياض (1) واتفاق الرياض (2)، فإن التداخلات والتباينات ظلت تمثل عراقيل حقيقية أمام تحقيق الاستقرار. فقد أعادت الحرب إنتاج القضية الجنوبية في سياق أكثر تعقيدًا، تداخل فيه المحلي بالإقليمي، وبرزت فيه قوى جنوبية جديدة ذات نفوذ سياسي وعسكري، وهو ما عمق في الوقت ذاته حالة التعدد والانقسام وغياب المرجعية الجامعة.
من هنا تتضح مركزية الدور السعودي في رعاية الحوار الجنوبي–الجنوبي، إذ تنطلق المملكة من اعتبارات استراتيجية واضحة، أبرزها أن استقرار الجنوب جزء لا يتجزأ من أمن البحر الأحمر وباب المندب، وأن توحيد الرؤية الجنوبية يحد من فرص الفوضى والصراع البيني، وأن أي تسوية سياسية شاملة في اليمن تتطلب موقفًا جنوبيًا منسقًا وواضحًا، وبهذا المعنى تنتقل السعودية من دور إدارة التوازنات إلى دور أكثر تقدمًا في صناعة المسار السياسي، مع حرص واضح على عدم فرض حلول جاهزة، بل تهيئة مناخ حوار يمكن الجنوبيين من صياغة رؤيتهم بأنفسهم.
ومع ما يوفره الحوار من فرص حقيقية لتقريب وجهات النظر وبناء خطاب سياسي مشترك، فإنه يواجه تحديات لا يمكن تجاهلها، تتصل بتمثيل مختلف المكوّنات، وبضمان عدم تحوّله إلى أداة إقصاء أو تكريس لهيمنة طرف واحد، فنجاح هذا الحوار مرهون بوضوح أهدافه، وشمولية المشاركة فيه، ووجود ضمانات حقيقية لتنفيذ مخرجاته على أرض الواقع.
وفي لحظة تاريخية مثقلة بالتحولات والآمال معًا، يقف الجنوب اليوم أمام اختبار مصيري يتطلب شجاعة المصارحة، وصدق النوايا، والارتقاء فوق الجراح والانقسامات، فالحوار الجنوبي–الجنوبي في الرياض ليس مجرد لقاء سياسي عابر، بل نافذة أمل لإعادة بناء الثقة، واستعادة الإحساس بالمصير المشترك، وصياغة مستقبل يتسع لجميع أبنائه دون إقصاء أو تهميش، وإذا ما استُغلَّت الرعاية الداعمة وتحولت إلى فرصة حقيقية للتوافق، والتقت الإرادات على كلمة سواء، فإن الجنوب قادر على أن يكتب صفحة جديدة من تاريخه، يكون فيها عنصر توازن واستقرار، لا ساحة صراع مفتوح، وبوابة أمل لليمن والمنطقة بأسرها.
عرض النص المقتبس
عرض النص المقتبس
|