صنعاء نيوز/ -
رامي الشمري
image2.png
لم يعد الحديث عن مخيم الهول مجرد ملف إنساني مؤجل أو إرث حرب قديم، بل أصبح تهديدًا استراتيجيًا داهمًا يلوح في الأفق بعد انهيار سجن الشدادي الذي كان يحتجز عناصر إرهابية رفيعة المستوى، هذا السجن لم يكن مجرد مكان احتجاز بل معقل للتخطيط والتنظيم والولاء الأيديولوجي الكسر الأخير لم يشمل المخيم بعد، لكن خبرة الهاربين وقدرتهم على التنظيم، وقرب المسافة بين الشدادي والهول حيث يفصل بينهما نحو 100 كيلومتر فقط، تجعل أي فرار أو تحرك لعناصره قادراً على الوصول سريعًا إلى قلب المخيم، واحتكاكهم بالجيل الجديد من الشباب والفتيان قد يتحول إلى شرارة تشعل المخيم بأكمله، مطلقة موجة عنف متفجرة تهدد العراق والدول المجاورة وتعيد كتابة مشهد الخطر من جديد
سجن الشدادي كان يُعتبر خط الدفاع الأول ضد التنظيمات المتطرفة ويحتوي على قيادات متشددة ومخططين تكتيكيين يتمتعون بخبرة قتالية وعقائدية عالية، إلا أن التطورات الأخيرة كشفت هشاشة المنظومة الأمنية بالكامل، فعمليات الهروب لم تكن عشوائية بل كانت مرتبة ومنسقة بخبرة قيادية، وهذه الخبرة يمكن استثمارها بسرعة داخل المخيم، خصوصًا مع وجود آلاف الشباب والفتيان الذين لم يختبروا حياة طبيعية أو دولة قائمة، أي أن أي فرار إضافي أو تسرب لعناصر التنظيم يعني نقل الخبرة التكتيكية والعقائدية مباشرة إلى الداخل، ما يحوّل المخيم إلى مختبر حقيقي لإعادة إنتاج التطرف ويزيد من احتمالية انفجار الوضع الأمني بشكل سريع وواسع
الخطورة الحقيقية لا تكمن في الهاربين فقط بل في جيل كامل تشكّل داخل مخيم الهول على مدى أكثر من عقد الأطفال المولودون بين 2011 و2012 أعمارهم اليوم 14–15 سنة والشريحة التي دخلت المخيم مع أهلها في سن 4–5 سنوات أصبحت أعمارهم اليوم 20–25 سنة هؤلاء لم يعرفوا دولة أو مجتمعًا مفتوحًا أو تعليمًا طبيعيًا نشأوا في فضاء يحكمه التكفير والعنف والاستعداد للموت بيئة لا تُدرّس الحياة بل تدرّب على الصدام على الولاء المطلق للتنظيم وعلى تجاهل أي سلطة أو نظام خارجي ومنذ فترة سُجلت محاولات هروب مستمرة لهؤلاء الشباب والفتية عبر خلايا تنظيمية سرية داخل المخيم ما يبرز هشاشة السيطرة الأمنية ويزيد من احتمالية استغلالهم سريعًا في إعادة إنتاج الولاء التطرفي كل محاولة هروب لم تُحبط تعني فرصة إضافية لإعادة تشكيل التنظيم من الداخل
حتى الآن المخيم لم يُكسر لكنه يحتضن جيلًا كاملًا مشبعًا بالعقائدية الصارمة والتطرف ومع فرار عناصر الشدادي يزداد احتمال تحويل المخيم من موقع احتجاز هش إلى مختبر اجتماعي لإعادة إنتاج التطرف المسلح هؤلاء ليسوا مجرد ضحايا حرب بل نتاج بيئة صُممت لإعادة تدوير العنف على المدى البعيد ومع كل محاولة هروب تُسجّل يزداد خطر انفجار المخيم كحاضنة لتفجيرات أمنية مستقبلية
غياب الخدمات الأساسية وتراجع الرقابة وانتشار شبكات التهريب والاتصالات السرية حول المخيم إلى مجتمع موازٍ تحكمه هياكل غير مرئية هذه الهياكل تُلقّن الأطفال قيم التطرف والسلوك العدائي وتضبط الحياة اليومية وتعيد إنتاج الولاء الأيديولوجي وتختبر الأفكار الجديدة قبل إطلاقها على الجيل الأكبر المخيم لم يعد مجرد مكان احتجاز بل مختبر اجتماعي للتطرف يُعاد فيه صياغة الولاء التنظيمي لأجيال جديدة جاهزة للتجنيد الفوري
عراقيًا المخيم يمثل خط مواجهة أول أي تسلل من سجن الشدادي أو استغلال الهاربين للتأثير على شبابه قد يحوّل المخيم إلى قاعدة انطلاق لعنف ممنهج الخطر غير تقليدي ليس اجتياحًا عسكريًا بل تسرب بطيء لعناصر مشبعة بالعقيدة قادرة على الاندماج والتخفي ثم الضرب في أي لحظة كل ساعة تأخير في التعامل مع المخيم تزيد من فرص إعادة إنتاج التنظيم داخل العراق
أي تأخر في مواجهة المخيم بعد انهيار الشدادي يعني ترك المبادرة للتهديد كي ينضج ويعيد إنتاج نفسه داخل الهول الخبرة العراقية في مواجهة التنظيمات لم تعد ميزة بل قد تتحوّل إلى عبء إذا لم تُستثمر استباقيًا الانتظار ليس حيادًا إنه السماح للتهديد بالنمو خارج السيطرة
المخيم وسجن الشدادي ليسا مسؤولية محلية فقط الفراغ الدولي في إدارة هذه الملفات هو شريك صامت في صناعة الأزمة القادمة ترك آلاف العناصر في مناطق رمادية بلا إطار قانوني أو أفق سياسي يعني أن التطرف يستمر في البناء بعيدًا عن المراقبة ليعود لاحقًا بأشكال أكثر دهاءً وحقدًا
الرهان على الاحتجاز وحده غير كافٍ الأفكار والخطط والخبرة التي خرجت من الشدادي لا تموت بالجدران أو الحدود من دون تفكيك الرواية العقائدية والفكرية لسكان المخيم سيصبح الهول حاضنة لنسخة أكثر دهاءً من التنظيم تتقن التخفي والتحرك المعركة ليست ضد أشخاص بل ضد سردية ستكتب الفصل التالي من العنف بأيدي الأجيال الجديدة
التعامل مع المخيم يجب أن يكون قضية أمن قومي عاجلة انهيار الشدادي هو شرارة حقيقية لا يمكن تجاهلها إعادة العراقيين يجب أن تكون مدروسة بعناية مع تحقيق عقائدي وسلوكي ونفسي دقيق الفرز بين الضحايا والمتورطين أمر حاسم لمنع إعادة إنتاج العنف تعزيز الحدود يشمل مراقبة متقدمة استخبارات استباقية ووحدات تدخل سريع مجرد تواجد تقليدي لم يعد كافيًا البرامج يجب أن تشمل تفكيك التطرف إعادة بناء الهوية الوطنية وتأهيل نفسي وفكري طويل الأمد الفشل هنا يعني إنتاج جيل جديد من الانتحاريين دفع المجتمع الدولي لتحمّل المسؤولية ومنع ترك المخيم كساحة صراعات سياسية إذ أن الفراغ القانوني والأمني يساوي انفجارًا مؤكدًا لاحقًا
سجن الشدادي لم يعد مجرد حادث أمني بل تحذير مباشر لمخيم الهول إذا لم تتحرك العراق سريعًا سيصبح المخيم ساحة انفجار محتملة يعاد فيها إنتاج التطرف بشكل أكثر ذكاءً ودهاءً الهول لم يعد بعيدًا وكل يوم تأخير هو فرصة لإشعال كارثة أمنية جديدة أقسى وأقرب إلى حدود العراق ومستقبله الأمني
|