صنعاء نيوز/ الكاتب /اسعد عبدالله عبدعلي -
اذا وجد الامريكي فتاكد ان الخبث موجود, فحين يصبح الإرهاب ورقة امريكية مهمة (احتياطي استراتيجي), ويبدو أن واشنطن قررت أن تمارس دور "المربي الفاضل" لأشرس وحوش الأرض في سجون الحسكة (الدواعش)، لا حباً في إصلاحهم، بل عملاً بالمثل القائل: "خبأ قرشك الأبيض ليومك الأسود". ومن سخرية القدر، أو ربما من "الخبث الاستراتيجي" الذي يرتدي قناع الإنسانية، أن تتحول سجون شمال شرق سوريا إلى ما يشبه "المحميات الطبيعية" للكائنات المتوحشة المجرمة، حيث يتم الاحتفاظ ببقايا تنظيم "داعش" بعناية فائقة، بعيداً عن أيدي رجال الحشد الشعبي الابطال, او الذين اكتووا بنيرانهم من أبناء المنطقة والقوى, التي لحقتهم من زقاق إلى زقاق.
هنا تتجلى الكوميديا السوداء في أبهى صورها؛ أمريكا التي تقود "التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب"، هي نفسها التي تضع "الإرهابيين" في "صندوق أمانات" جغرافي، وتغلق عليهم الأبواب، انتظاراً للحظة التي قد تحتاج فيها إلى "فزاعة" جديدة تعيد ترتيب أوراق المنطقة. إنه "خبث امريكي" يجعلك تتساءل: هل السجان يراقب السجين خوفاً منه، أم خوفاً عليه؟ وهل تحولت الحسكة من سجن كبير إلى "غرفة عمليات مؤجلة"؟
· الرؤية الأمريكية الرسمية: "الاحتواء لا الحماية"
تتبنى الإدارة الأمريكية رؤية استراتيجية تزعم فيها أن الإبقاء على آلاف المقاتلين, المنضوين تحت لواء تنظيم "داعش", داخل مراكز احتجاز تديرها "قوات سوريا الديمقراطية" يمثل ضرورة أمنية قصوى, لا يمكن التخلي عنها في المرحلة الراهنة، حيث تنطلق واشنطن في تبرير هذا الموقف من هواجس عميقة, تتعلق بإمكانية إعادة إحياء الهيكل التنظيمي للمجموعة المتطرفة، إذ ترى أن أي تهاون في إحكام الرقابة أو التفكير في إطلاق سراح هؤلاء المعتقلين سيؤدي بالضرورة إلى تدفق سيل من المقاتلين المتمرسين نحو ساحات المواجهة في الأراضي السورية والعراقية على حد سواء، مما يجهض الانتصارات الميدانية التي تحققت خلال السنوات الماضية.
كما يتشابك هذا الملف المعقد مع أزمة المقاتلين الأجانب الذين ينحدرون من عشرات الدول الأوروبية والعربية، حيث تبرز معضلة رفض تلك الدول استعادة مواطنيها ومحاكمتهم فوق أراضيها، الأمر الذي يجعل من سجون الحسكة في المنظور الأمريكي خياراً اضطرارياً يمثل "أهون الشرين" بانتظار بلورة مخرج قانوني دولي ينهي هذا الاستعصاء، وإضافة إلى ذلك فإن واشنطن تتذرع بالرغبة في تحاشي الفوضى العارمة, التي قد تترتب على تسليم هؤلاء المعتقلين إلى أطراف أو مناطق نفوذ أخرى، زاعمة أن مثل هذه الخطوة قد تفضي إلى تنفيذ عمليات تصفية وإعدامات خارج إطار القضاء، أو قد تُستغل الثغرات الأمنية في تلك المناطق لتسهيل عمليات هروب جماعي منظمة, تمنح التنظيم فرصة ذهبية لاستعادة قوته الضاربة, والعودة بالمشهد الإقليمي إلى مربع الصراع الأول.
· الرؤية المقابلة
تتبلور في المقابل وجهة نظر مغايرة تتبناها أطراف فاعلة في المشهدين العراقي والسوري، وفي مقدمتها فصائل الحشد الشعبي، حيث تنظر هذه القوى إلى الوجود الأمريكي في الحسكة وملف احتجاز عناصر تنظيم داعش بوصفه أداة استراتيجية تتجاوز البعد الأمني المعلن لتخدم أجندات سياسية بعيدة المدى، إذ يُعتقد أن واشنطن تتخذ من هؤلاء السجناء ورقة ضغط رابحة تبرر عبرها استمرار وجودها العسكري غير الشرعي في منطقة شرق سوريا تحت ذريعة مكافحة الإرهاب وضمان عدم عودته، كما يُنظر إلى تموضع هذه السجون والقواعد العسكرية المحيطة بها كعائق جغرافي متعمد صُمم لقطع أوصال التواصل الميداني بين العراق وسوريا.
مما يؤدي بالضرورة إلى عرقلة تحركات الحشد الشعبي والقوات الحليفة للدولة السورية في تلك المناطق الحدودية الحساسة، وتذهب هذه الاتهامات إلى أبعد من ذلك عبر القول بأن الولايات المتحدة تمارس نوعاً من الاستثمار السياسي في بقاء خطر التنظيم قائماً ولو خلف القضبان، لضمان استمرارية مهام التحالف الدولي وإطالة أمد الأزمة، بدلاً من السعي الجاد للقضاء الناجز على هذا الفكر أو تسليم المعتقلين للجهات القضائية الوطنية في دمشق وبغداد لنيال جزاءهم العادل.
· الاختلاف بين امريكا والحشد الشعبي
تتسم العلاقة الميدانية بين القوات الأمريكية وفصائل الحشد الشعبي بوجود تقاطع عسكري معقد, وتجلى بوضوح في إدارة المناطق الحدودية الحساسة بين الحسكة والعراق، حيث تفرض الولايات المتحدة طوقاً أمنياً صارماً يمنع اقتراب أي تشكيلات عسكرية بخلاف قوات سوريا الديمقراطية من مناطق نفوذها، وهو ما ينطبق بشكل خاص على قوات الحشد الشعبي والجيش السوري ايام الاسد، الأمر الذي ولد قناعة راسخة بأن مراكز الاحتجاز هذه باتت تتمتع بحصانة ميدانية تحميها من أي استهداف مباشر أو ملاحقات قضائية وعسكرية قد تعتزم تلك القوى تنفيذها.
وفي سياق متصل تتذرع واشنطن بملف السيادة والقانون الدولي لتبرير رفضها تسليم المعتقلين للحكومة السورية ايام الاسد, أو الحشد الشعبي، بدعوى الخشية من تعرضهم لانتهاكات حقوقية تتعارض مع المعايير التي يلتزم بها التحالف الدولي، بينما يرى الخصوم في هذا الموقف مجرد غطاء سياسي وقانوني مكشوف, يهدف في جوهره إلى توفير ملاذ آمن لهذه العناصر الإرهابية والحفاظ عليها كأدوات وظيفية قد يتم توظيفها في صراعات مستقبلية لخدمة المصالح الجيوسياسية الأمريكية في المنطقة.
· الخلاصة: الاستثمار في الإرهاب.. سجون الحسكة كغرفة عمليات مؤجلة
ان "الخبث الاستراتيجي" الأمريكي في إدارة ملف سجون "داعش" بالحسكة حاضر لا يمكن تجاهله, حيث اصبحت السجون مجرد محميات طبيعية للإرهابيين من قبضة رجال الحشد الشعبي والقوات الوطنية.
وبينما تُسوّق واشنطن بقاءهم كضرورة أمنية لمنع إعادة التنظيم وتفادي الفوضى القانونية، لكن الحقيقة تكمن في تحويل هؤلاء المعتقلين إلى ورقة ضغط وفزاعة تبرر الوجود الأمريكي غير الشرعي, وتعمل كحاجز جغرافي يقطع أوصال التواصل بين العراق وسوريا. أن التذرع بالقوانين الدولية لحماية السجناء, ليس سوى غطاء سياسي لتوفير ملاذ آمن لأدوات وظيفية, سيتم استخدامها مستقبلاً لخدمة المصالح الجيوسياسية الأمريكية في المنطقة.
|