صنعاء نيوز/ إيهاب مقبل -
لطالما احتلّ العراق موقعاً بارزاً في الخطاب العربي الداعم لفلسطين وغزة، سواء من خلال بيانات رسمية أو مظاهرات شعبية أو تصريحات سياسية حادة ضد "الكيان الصهيوني". على مستوى الرموز، بدا العراق حليفًا قويًا للقضية الفلسطينية. لكن الواقع الميداني، وبالأخص حتى عام 2026، كشف تناقضًا واضحًا بين الخطاب وطريقة تطبيق التضامن، حتى أصبح كثير من العرب، بل وباحثين غربيين، يتساءلون لماذا يبدو العراق منقسماً بين خطابٍ قوي عن فلسطين وبين تصرفاته تجاه الفلسطينيين المقيمين فيه!
فلسطين في الوجدان… والفلسطيني في الهامش
الفلسطينيون الذين عاشوا في العراق لسنوات طويلة، منذ موجات اللجوء الأولى في العام 1948، كانوا جزءًا من المجتمع العراقي، يعملون ويدرسون ويُدرسون ويتطورون في الحياة العراقية اليومية. لكن حتى عام 2026، يظل الفلسطيني في العراق يعامل كـ"أجنبي"، بلا حقوق كاملة في العمل أو التعليم أو الإقامة الدائمة، رغم أن بعضهم أقام في البلاد لأجيال. لم يُمنح الفلسطينيون المقيمون في العراق حماية قانونية كافية، وظلوا معرضين للمضايقات والتمييز، ما يكرّس شعورهم بأنهم مواطنون من الدرجة الثانية، حتى وإن خرجت مظاهرات تضامنية أو خطاب رسمي يدافع عن فلسطين.
اليوم، يعيش الفلسطينيون العراقيون في دول عدة حول العالم نتيجة النزوح والتهجير بعد 2003، مع وجود عدد منهم عالقين فعليًا لسنوات طويلة بلا إقامة قانونية مستقرة، ما يجعل حياتهم اليومية مليئة بالقيود وعدم القدرة على العودة إلى العراق أو إيجاد استقرار أسري دائم.
مظاهرات عراقية دعمًا لغزة… لكنها نادراً ما تُغطّى
خلال الحرب الأخيرة على غزة، خرجت مظاهرات شعبية واسعة في بغداد ومدن أخرى للتعبير عن التضامن مع الفلسطينيين في غزة. توافد آلاف العراقيين بعد صلاة الجمعة في أحياء مثل الأعظمية والكرخ ومدينة الصدر، حاملين الأعلام الفلسطينية، مرددين هتافات داعمة لغزة ومستنكرة للحصار والإبادة الجماعية. لكن هذه المظاهرات، رغم حجمها الكبير، نادراً ما تظهر في الإعلام العربي أو الغربي بصورة موسعة، فقط مقتطفات سريعة وهامشية. السبب يعود جزئيًا إلى أن أخبار قتل وتهجير الفلسطينيين في العراق بعد 2003 وما تلاه أطلقت صورة نمطية عن العراق باعتباره "بلداً غير قادر على حماية الفلسطينيين"، فصارت أي مظاهرات دعم لغزة تُنظر إليها على أنها أحداث محلية هامشية، رغم أهميتها الشعبية.
بين إيران وتركيا: نموذج للممارسة الواقعية
لكي نفهم سبب ثقة الغرب في خطابات إيران وتركيا حول فلسطين مقارنة بالعراق، يجب النظر إلى طريقة تعاطي هذه الدول مع الفلسطينيين على الأرض:
إيران: دعم مؤسسي للفلسطينيين
في إيران، الفلسطينيون وجدوا حماية نسبية، ومؤسسات تعليمية وصحية، ودعماً مالياً وإعلامياً، وقدرة على ممارسة النشاط السياسي ضمن إطار الدولة. هذا الدعم الواقعي يجعل الغرب يرى إيران كطرف قادر على ترجمة التضامن إلى واقع ملموس، حتى مع الاختلافات السياسية.
تركيا: نموذج الاستقرار القانوني والاجتماعي
تركيا احتضنت اللاجئين الفلسطينيين منذ النكبة، ووفرت لهم إقامة قانونية مستقرة، وتعليماً وعملًا، ومساحة لممارسة الأنشطة الثقافية والسياسية ضمن القانون التركي. وجود الفلسطينيين كجزء من المجتمع لا يتحول إلى تهديد أمني، ما يجعل الغرب يعتبر بيانات تركيا عن فلسطين موثوقة وقابلة للقياس.
العراق: خطاب قوي، واقع ضعيف
أما في العراق، فإن الفلسطينيين لا يزالون في 2026 يعاملون كـ"أجانب" بلا حقوق كاملة، معرضين للتمييز والمضايقات، بينما خطاب العراق عن غزة مستمر لكنه رمزي أكثر من كونه واقعيًا. هذا يجعل الخطاب العراقي يبدو، في أعين العالم، غير متسق مع الواقع الملموس، على عكس إيران وتركيا.
القصص المأساوية وتجسيد واقع المعاملة كأجانب
قصة سارة وعائلتها: سارة فلسطينية عراقية في أواخر الثلاثينات، ولدت في بغداد لأبوين فلسطينيين لجآ إلى العراق بعد النكبة. رغم أن حياتها كلها كانت في بغداد، إلا أنها لا تحمل جنسية عراقية. بطاقة الإقامة الخاصة بها تُجدد كل بضعة أشهر، وترتبط بقدرتها على تقديم مستندات مالية وإجراءات مرهقة. تقول سارة: "أشعر أنني ضائعة بين وطنين. هنا عشت عمري، ومع ذلك لا أستطيع العيش بكرامة، ولا أستطيع أن أضمن مستقبلي أو مستقبل أبنائي".
قصة خالد وعائلته: خالد شاب فلسطيني عراقي في الثلاثينات، نشأ في بغداد وعائلته تقيم في العراق منذ أجيال. كان والده يعمل طبيبًا لسنوات طويلة في أحد المستشفيات ببغداد، لكنه بعد وفاته تم قطع راتبه التقاعدي، رغم سنوات الخدمة الطويلة. يشعر خالد وعائلته بأنهم حرمانهم من حقوقهم الأساسية يعكس أنهم لا يُعتبرون جزءًا من المجتمع، رغم أن حياتهم كلها ارتبطت بالعراق. يقول خالد: "والدي خدم العراق طيلة حياته، ومع ذلك بعد وفاته تم حرماننا من راتبه التقاعدي! هذا يجعلنا نشعر أننا مجرد أجانب، حتى لو عشنا هنا منذ زمن طويل".
المطالب القانونية للناشطين الفلسطينيين في العراق
في العام الماضي، 2025، طالب ناشطون فلسطينيون في العراق الحكومة العراقية باتخاذ إجراءات وقوانين جديدة لتحسين أوضاع اللاجئين الفلسطينيين المقيمين منذ أكثر من سبعة عقود، وضمان معاملتهم بالمساواة مع المواطنين العراقيين كما كان متبعًا خلال العهد الملكي 1948 وحتى احتلال بغداد عام 2003.
أكدوا أن الفلسطينيين يعانون من ظروف معيشية صعبة وحرمان من حقوق يتمتع بها الفلسطينيون في دول اللجوء الأخرى، وطالبوا بإجراءات مثل: منح الحقوق المدنية الكاملة، حق تملك عقار، حق العمل في القطاع الخاص، التعيين في الوظائف العامة، إعادة صرف الرواتب التقاعدية، شمولهم بالضمان الاجتماعي، فتح المنافذ الحدودية، إصدار البطاقة الوطنية وبطاقة السكن، وإمكانية الحصول على الجنسية العراقية لمن يقيمون لأكثر من عشر سنوات، دون المساس بحق العودة إلى فلسطين.
يعيش اليوم في العراق نحو 10000–13926 فلسطينيًا، معظمهم في بغداد ونينوى، من أصل حوالي 40 ألف لاجئ فلسطيني قبل عام 2003، أي أن عددهم انخفض بنحو 65–75٪ بسبب حملات التهجير المنظمة والعنف المستمر بعد الاحتلال الأمريكي. منذ تأسيس النظام العراقي الجديد، اتخذت الحكومات المتعاقبة إجراءات حرمت اللاجئين الفلسطينيين من العديد من الحقوق المدنية والإنسانية، أبرزها حرمانهم من الاستفادة من الرواتب التقاعدية، وإلغاء القوانين التي كانت تمنحهم حقوقًا مساوية للمواطن العراقي.
لماذا اهتزّت الثقة بالعراق؟
الثقة تُبنى على القدرة على ترجمة الخطاب إلى أفعال ملموسة. في إيران وتركيا، يمكن رصد أثر السياسات على حياة الفلسطينيين، بينما في العراق يظل الفلسطيني مهمشاً، ومظاهرات الدعم لغزة غالبًا ما تُغفل إعلامياً. غزة وفلسطين في القلب، نعم وبكل تأكيد. لكن الفلسطيني الذي عاش ومات في بغداد يستحق نفس الكرامة، وإلا يصبح التضامن انتقائياً وأداة سياسية فقط.
خاتمة: فلسطين لا تُجزّأ
القضية الفلسطينية ليست مجرد أرض محتلة، بل شعب مشتّت، ووجود الفلسطيني في أماكن متعددة يجب أن يُقاس بأفعاله وكذلك بظروفه القانونية والإنسانية. من يقف مع فلسطين حقاً، يقف مع الفلسطيني أينما كان، لا فقط حيث يكون التصوير الإعلامي سهلاً أو الهتاف الشعبي واضحاً.
تصحيح التاريخ بالنسبة للعراق ليس مستحيلاً، ولا يعني جلد الذات، ولا فتح صراعات جديدة، لكنه يحتاج اعترافاً صادقاً، حقوقاً ملموسة، واتساقاً بين القول والفعل. حين يصبح التضامن ممارسة حقيقية لا شعاراً فقط، تستعيد الثقة ببغداد، ويستعيد الخطاب معناه، ويصبح العراق فعلاً جزءاً من التضامن الحقيقي مع فلسطين، وليس مجرد منصة للخطاب الرمزي.
انتهى |