صنعاء نيوز/ إيهاب مقبل -
في كل مرة يمرّ العراق بمنعطف سياسي حاد، يعود اسم نوري المالكي إلى الواجهة وكأن البلاد تدور في حلقة مغلقة لا تريد أن تنكسر. والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم، وبقوة، ليس سؤالًا شخصيًا ولا تصفية حسابات سياسية، بل سؤال عقل ومجتمع: هل يُعقل أن يكون العراق، بتعداده السكاني الذي تجاوز 47 مليون نسمة، عاجزًا عن إنجاب رئيس وزراء إلا نوري المالكي؟
العراق ليس بلدًا صغيرًا، ولا مجتمعًا محدود النخب، بل دولة عميقة التاريخ، واسعة الطاقات، مليئة بالكفاءات السياسية والاقتصادية والأكاديمية، في الداخل والخارج. وفي أي دولة طبيعية، يُفترض أن تداول السلطة يكون دليل صحة، لا علامة ضعف. الإصرار على إعادة الوجوه نفسها، خصوصًا تلك المرتبطة بسنوات انقسام وأزمات حادة وحرب أهلية أولى (2006-2008) وحرب أهلية ثانية (2013–2017) بجانب ملفات الفقر والفساد وانتهاك حقوق الإنسان، لا يبعث برسالة استقرار، بل برسالة جمود سياسي وعجز عن التجديد.
خطورة هذا الإصرار اليوم لا تتوقف عند الداخل العراقي، بل تمتد إلى الخارج، وتحديدًا إلى ردّ الفعل الأميركي. فقد خرج الرئيس الأميركي دونالد ترامب بتصريح وتهديد علني غير مسبوق، أعلن فيه بوضوح أن "الولايات المتحدة لن تدعم العراق في حال عودة نوري المالكي إلى رئاسة الوزراء". هذا التهديد لا يمكن التعامل معه بوصفه انفعالًا إعلاميًا أو موقفًا عابرًا، بل هو رسالة سياسية مباشرة تعكس توجّهًا رسميًا، خصوصًا أن ترامب معروف بتحويل مواقفه المعلنة إلى سياسات ضغط فعلية.
ومعنى تهديد ترامب لا يقتصر على وقف الدعم السياسي أو العسكري فحسب، بل يتجاوز ذلك إلى ما هو أخطر: "إعادة تعريف علاقة العراق بالنظام المالي والاقتصادي الذي تقوده الولايات المتحدة". فالعراق يعتمد بشكل شبه كامل على بيع نفطه بالدولار، وعلى إيداع عائداته في الاحتياطي الفدرالي الأميركي. أي توتر حاد مع واشنطن يضع هذا المسار تحت الضغط، حتى من دون إعلان صريح عن عقوبات أو تجميد.
إذا أصرّ المالكي على الحكم، فإن ردّ الفعل الأميركي المرجّح لن يكون خطوة واحدة مفاجئة، بل مسارًا تصاعديًا مدروسًا. سيبدأ بعزل سياسي وبرود دبلوماسي، وتقليص الغطاء الدولي الذي تحتاجه بغداد في المؤسسات المالية والاستثمارية. هذا العزل ستكون له كلفة مباشرة، لأن كثيرًا من الدول والشركات تقيس مخاطرها بناءً على الموقف الأميركي.
ثم يأتي الضغط الحقيقي، وهو الضغط المالي. واشنطن لا تحتاج إلى إعلان تجميد أموال العراق في الاحتياطي الفدرالي كي تُربك الاقتصاد؛ يكفي تشديد الرقابة على التحويلات، وتأخير وصول الدولار، وفرض تدقيق صارم على العمليات المصرفية بحجج الامتثال ومكافحة غسيل الأموال. هذه الإجراءات، وإن بدت تقنية، ستنعكس فورًا داخل العراق بارتفاع سعر الدولار، واضطراب سعر الصرف، وغلاء المعيشة، وتآكل القدرة الشرائية للمواطن، وتعقيد قدرة الدولة على دفع التزاماتها واستيراد احتياجاتها الأساسية.
ومع استمرار الإصرار السياسي، قد تنتقل واشنطن إلى مرحلة استهداف الأشخاص بدل الدولة، عبر فرض عقوبات على شخصيات سياسية وتجارية نافذة في الحكومة أو محيطها، ما يخلق شللًا داخل منظومة القرار، ويزرع الخوف والتردد في المؤسسات المالية والإدارية.
وفي الحالات القصوى، حين تصل العلاقة إلى حافة القطيعة، لا تتعامل واشنطن مع الضغط بوصفه ملفًا سياسيًا مجردًا، بل كمنظومة حياة كاملة. تعطيل التحويلات، شلل النظام المصرفي، توقف سلاسل الاستيراد، نقص الوقود والمواد الأساسية، تعثر النقل والتجارة، وتأثر تفاصيل الحياة اليومية للمواطن، من السيارة التي لا تجد وقودًا، إلى السوق الذي يفرغ من السلع، إلى راتب يفقد قيمته بين ليلة وضحاها. في مثل هذه السيناريوهات، لا تتجمد الأرقام فقط، بل يتجمد معها السكان والحياة نفسها، ويصبح البلد كله رهينة قرار سياسي واحد أُخذ بعناد لا بحكمة.
كل ذلك يحدث بينما العراق أصلًا يعاني من اقتصاد هش يعتمد على النفط، وبطالة مرتفعة، وخدمات متعثرة، وثقة شعبية متآكلة. أي تصعيد خارجي، حتى لو كان غير معلن، سيتحوّل بسرعة إلى أزمة داخلية يدفع ثمنها المواطن، لا من يصرّ على المنصب، ولا من يتعامل مع السياسة بوصفها معركة كراسي لا مسؤولية وطنية.
من هنا، يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: هل يُعقل أن يُغامَر بمستقبل بلد يضم أكثر من 47 مليون إنسان، فقط من أجل إعادة اسم جدلي إلى الواجهة؟ العراق أكبر من الأشخاص، وأعمق من التجارب المستهلكة. اختيار رئيس وزراء جديد، توافقي، غير تصادمي، وقادر على بناء الثقة مع الداخل والخارج، لا يعني الخضوع لإملاءات خارجية، بل يعني حماية المصلحة الوطنية وتحصين السيادة بعقلانية.
العراق اليوم لا يحتاج إلى استنساخ الماضي، بل إلى فتح صفحة جديدة. لأن تهديد ترامب، بكل ما يحمله من دلالات، ليس موجّهًا لشخص بقدر ما هو إنذار لدولة. والإصرار على تجاهل هذا الإنذار قد يكلّف العراق اقتصاديًا واجتماعيًا ثمنًا هو في غنى عنه. المستقبل يُبنى بالتجديد والحكمة، لا بالتحدي غير المحسوب ولا بتكرار التجارب نفسها.
انتهى
|