صنعاء نيوز/ إيهاب مقبل -
في كل مرة تتصدر فيها فضيحة جنسية مواقع التواصل الاجتماعي في العراق أو مصر، يعود السؤال نفسه إلى الواجهة: هل تعاني هذه المجتمعات من أزمة أخلاقية؟ غالبًا ما يُجاب عن هذا السؤال بانفعال، إما باتهام المجتمع كله بالانحلال، أو بالدفاع الأعمى عنه وإنكار المشكلة أصلًا. لكن قراءة أعمق وأهدأ لما يحدث تشير إلى أن القضية لا تتعلق بانهيار الأخلاق بقدر ما تتعلق بما يمكن تسميته أزمة "إدارة القيم" في زمن رقمي مضطرب، تتقاطع فيه السياسة المأزومة مع المجتمع المحافظ ومع سطوة وسائل التواصل الاجتماعي.
من المهم أولًا التمييز بين وجود السلوكيات الخاطئة وبين تحوّلها إلى فضائح عامة. العلاقات السرية، الخيانة الزوجية، والانتهاكات الأخلاقية ليست ظواهر جديدة، ولا هي حكر على المجتمع العراقي أو المصري. هذه السلوكيات موجودة في كل المجتمعات، القديمة والحديثة، المحافظة والمنفتحة على حد سواء. الجديد في الحالتين العراقية والمصرية ليس وقوع الفعل نفسه، بل تحوّله السريع إلى مادة متداولة على نطاق واسع، تُستهلك جماهيريًا بوصفها حدثًا أخلاقيًا صادمًا. الفضيحة لا تولد لحظة الخطأ، بل لحظة تصويره، ثم نشره، ثم تفاعل الجمهور معه. هنا تبدأ الأزمة الحقيقية.
يُصنَّف المجتمعان العراقي والمصري عادةً بوصفهما مجتمعين محافظين، وخصوصًا في الخطاب العلني تجاه قضايا الجنس والعلاقات الخاصة. لكن هذا التحفّظ لا يعني غياب هذه القضايا عن الواقع، بل يعني غياب النقاش الصريح حولها. الجنس موضوع مسكوت عنه، محاط بالمحرمات، ومؤجل دائمًا إلى الهامش، لكنه حاضر بقوة في السلوك والخيال واللاوعي الجمعي. في مثل هذا السياق، تكون الصدمة أكبر عندما تنكشف الخصوصيات. لذلك تنتشر الفضائح الجنسية بسرعة لافتة، لا لأنها أكثر خطورة من غيرها، بل لأنها تكسر صمتًا طويلًا وتضرب تابو ثقيلًا. وهنا تلعب وسائل التواصل الاجتماعي دورًا حاسمًا في تحويل الأخطاء الفردية إلى محاكمات جماعية.
وفي الحالة المصرية، تبدو الصورة متقاربة إلى حد كبير مع العراق. فالمجتمع المصري، شأنه شأن المجتمع العراقي، محافظ في خطابه العام، شديد الحساسية تجاه القضايا الجنسية، وفي الوقت نفسه من أكثر المجتمعات العربية استهلاكًا لمواقع التواصل الاجتماعي. هذا التناقض جعل من الفضائح الجنسية مادة رائجة باستمرار، سواء تعلّق الأمر بمشاهير، أو مؤثرين، أو مواطنين عاديين تحوّلت حياتهم الخاصة فجأة إلى شأن عام. ما يحدث في مصر يؤكد أن المشكلة ليست محلية أو مرتبطة بسياق عراقي خاص، بل هي نمط يتكرر حين تجتمع المحافظة الاجتماعية مع الانكشاف الرقمي وضعف إدارة الفضاء العام. في الفضاء الرقمي لا وجود لتحقيق مهني، ولا لسياق متوازن، ولا حتى لحدود واضحة بين الخاص والعام. صورة أو مقطع فيديو، سواء كان كاملًا أو مجتزأً، حقيقيًا أو مشكوكًا فيه، يمكن أن يتحول خلال ساعات إلى قضية رأي عام. الجمهور لا يكتفي بالمشاهدة، بل يشارك في الإدانة، والسخرية، والتشهير. هكذا تتحول القيم من منظومة تُدار بالقانون والتربية والحوار، إلى أداة عقاب جماعي تُمارس بلا ضوابط.
كثيرًا ما يُربط انتشار هذه الفضائح بالسياق السياسي، وخصوصًا في فترات تعثر تشكيل الحكومات أو تصاعد الأزمات السياسية أو الاقتصادية. الواقع أن الفضائح الجنسية ليست في الغالب صناعة سياسية مباشرة، ولا توجد أدلة موثوقة على أنها تُدار كسياسة رسمية لإلهاء الشارع. لكنها تزدهر بلا شك في البيئات السياسية المأزومة. عندما يفشل النظام السياسي في إنتاج حلول، وتتراجع الثقة بالطبقة الحاكمة، يشعر المواطن بالعجز والإنهاك، فيبحث عن مساحات بديلة للتفريغ. الفضائح توفر مادة سهلة، مثيرة، ومشحونة بالعاطفة، تصرف الانتباه عن الأسئلة الثقيلة والمعقدة. قد لا تكون السلطة هي من صنع هذه الضجة، لكنها أحيانًا تستفيد من وجودها، أو على الأقل لا تسعى بجدية إلى كبحها.
أخطر ما تكشفه هذه الظاهرة هو ازدواجية القيم داخل المجتمع. في العلن، يسود خطاب أخلاقي صارم، يدين بشدة أي انحراف سلوكي. في الخفاء، تستمر ممارسات مختلفة، أو على الأقل صمت متواطئ معها. هذا التناقض لا ينتج مجتمعًا أخلاقيًا، بل مجتمعًا سريع الإدانة، قليل المراجعة الذاتية. تتحول الأخلاق من إطار يُنظم السلوك ويحمي الإنسان، إلى سلاح يُستخدم للتشهير والإقصاء، لا للإصلاح أو الفهم.
ورغم أن هناك من يستفيد من انتشار الفضائح، مثل صناع المحتوى الباحثين عن المشاهدات أو المنصات التي تغذيها الخوارزميات والاعلانات، فإن الخاسر الحقيقي هو المجتمع نفسه. تُستباح الخصوصية، تتآكل الثقة، ويضعف التعاطف الإنساني. يصبح الخطأ مادة للفرجة، لا فرصة للمحاسبة العادلة أو الإصلاح. في هذا المناخ، يختلط الخطأ بالجريمة، والنقد بالانتقام، والغيرة الأخلاقية بالرغبة في التشهير.
ما يمر به العراق ومصر اليوم لا يمكن اختزاله في توصيف سهل مثل "أزمة أخلاق". الأدق هو القول إننا أمام أزمة في إدارة الأخلاق. القيم موجودة، لكنها غير مُدارة في ظل غياب قوانين صارمة مطبقة بجدية تحمي الخصوصية، وإعلام مسؤول يضع الأمور في سياقها، ونقاش مجتمعي ناضج يعترف بالواقع بدل إنكاره. الفضائح الجنسية ليست دليلًا على انحلال المجتمع، بل مرآة لعجزه عن التعامل مع أخطائه بإنسانية وعدالة. والسؤال الأهم لم يعد: من أخطأ؟ بل: كيف نحول دون أن يتحول الخطأ إلى عرض جماهيري بلا ضوابط؟ هنا تحديدًا تبدأ معركة إدارة القيم، لا الاكتفاء بادعائها.
ولكي لا يبقى هذا التشخيص مجرد توصيف نظري، يبرز سؤال عملي لا يمكن تجاهله: ما المطلوب لإيقاف أو على الأقل تقليص هذه الظاهرة؟ الإجابة لا تكمن في الحلول السهلة أو الشعارات الأخلاقية، بل في مسار طويل ومعقد يبدأ من الدولة ولا ينتهي عند الفرد. أول ما يحتاجه العراق ومصر هو إطار قانوني واضح وصارم يُطبق بجدية ويحمي الخصوصية الشخصية. كثير من الفضائح ما كانت لتتحول إلى قضايا عامة لولا ضعف تطبيق قوانين التسريب والتشهير وانتهاك الحياة الخاصة في الواقع. القانون هنا لا يُفترض أن يدافع عن الخطأ الأخلاقي، بل أن يمنع تحويله إلى أداة إذلال جماعي. عندما يدرك الناس أن نشر المقاطع والصور الخاصة جريمة حقيقية لها تبعات قانونية، سيتراجع كثير من هذا الانفلات.
إلى جانب القانون، يتحمل الإعلام التقليدي مسؤولية مركزية. المطلوب ليس الرقابة ولا التعتيم، بل المهنية. على القنوات والمنصات الإعلامية أن تميّز بين ما هو شأن عام وما هو فضول جماهيري، وأن ترفض تحويل النزاعات الشخصية إلى مواد استهلاكية. الإعلام، حين يفقد بوصلته الأخلاقية، لا يعكس المجتمع فقط، بل يعمّق أزماته.
كما أن النقاش المجتمعي الصريح لم يعد ترفًا مؤجلًا. التعامل مع قضايا الجنس والعلاقات والحدود الشخصية على أنها محرمات مطلقة يجعل المجال مفتوحًا للفضائح لتصبح مادة استهلاكية للجمهور، بدل أن تُناقش ضمن حوار مدروس. المطلوب هو خطاب تربوي وثقافي هادئ، يعترف بالخطأ لكنه لا يبرره، وينتقد السلوك ولكنه لا يحوّل الإنسان إلى هدف للتشهير، ويضع التصرفات في سياق إنساني واقعي يوازن بين الحقوق والواجبات والخصوصية. الصمت الطويل حول هذه المواضيع يخلق فجوة معرفية، ويترك الشباب والفاعلين الاجتماعيين بلا إطار لفهم الحدود أو التعامل مع الأخطاء، مما يؤدي إلى تفجر الفضائح وانتشارها بشكل غير محسوب.
هناك مقارنة مهمة مع بعض الدول العربية الأخرى التي تقل فيها الفضائح الجنسية على الإنترنت، مثل السعودية، قطر، عُمان، والبحرين. في هذه الدول، الانتشار أقل نسبيًا بسبب رقابة صارمة على الإنترنت ووسائل التواصل، وعقوبات قانونية قوية، ومجتمع محافظ جدًا، وتطبيق فعلي للقوانين على التسريب والتشهير. كما أن المواقع الإباحية محظورة رسميًا تمامًا في هذه الدول، مع حجب شامل لـ"المحتوى الفاحش" وعقوبات على الوصول، التوزيع، أو المشاركة في المواد الإباحية تصل إلى السجن والغرامة، وهو عامل أساسي في انخفاض انتشار الفضائح الرقمية. بينما في العراق ومصر، توجد قوانين تحظر التسريب والتشهير، لكنها تطبيق ضعيف جدًا في الواقع، مما يسمح باستمرار انتشار الفضائح بسهولة. كما أن الاستقرار السياسي النسبي يقلل من حاجة الناس للهروب من القضايا الجوهرية بالانشغال بالفضائح.
ولا يمكن تجاهل دور الفرد نفسه. المشاركة في تداول الفضائح ليست فعلًا محايدًا. كل مشاركة وتعليق وسخرية هي مساهمة مباشرة في تكريس الظاهرة. استعادة الحد الأدنى من التعاطف الإنساني، والتوقف عن لعب دور القاضي والجلاد في آن واحد، خطوة أساسية في كسر هذه الدائرة.
أخيرًا، لا يمكن فصل هذه الظاهرة عن المناخ السياسي العام. كلما طالت الأزمات السياسية وتآكلت الثقة بالدولة، زادت قابلية المجتمع للانشغال بالضجيج بدل القضايا الجوهرية. إدارة القيم لا تنفصل عن إدارة الدولة نفسها. دولة قوية بالقانون والمؤسسات تقل فيها الحاجة إلى محاكمات أخلاقية شعبية، لأن العدالة لم تعد مسؤولية الجمهور الغاضب.
إيقاف ظاهرة الفضائح الجنسية ليس مهمة جهة واحدة، بل اختبار جماعي لنضج المجتمع والدولة معًا. فإما أن تبقى الأخلاق أداة للتشهير والشماتة، أو تتحول إلى منظومة تحمي الإنسان، حتى وهو يخطئ.
انتهى
|