shopify site analytics
كذبة المناصفة.. ومنزلقات الحوار..!! - الإصلاح في المنظومة السياسية للعراق بين إرادة التغيير وتحديات الواقع. - العراق في قلب طريق الحرير - حين يبكي القائد: الكرامة كسياسة لمواجهة الفقر - أ. د. سناء الشّعلان في ضيافة مبادرة نون للكتاب في ندوة عن (تقاسيم الفلسطينيّ) - الأخطبوط العسكري لنظام ولاية الفقيه! - رغم وقف الحرب : شهداء ودمار واسع في غزة - الفضائح الجنسية الرقمية تكشف هشاشة إدارة القيم في العراق ومصر - اضعاف المكوّن الأكبر .. خطة خفية لابتزاز إرادة الإطار التنسيقي - أن تعيش ضد نفسك .. بكامل وعيك -
ابحث عن:



صنعاء نيوز - 
في لحظة نادرة من الصدق الإنساني، وقف الرئيس البرازيلي “لويس إيناسيو لولا دا سيلفا”  أمام جمهور من العمال والنقابيين

الإثنين, 02-فبراير-2026
صنعاء نيوز/بقلم د. غسان شحرور -








في لحظة نادرة من الصدق الإنساني، وقف الرئيس البرازيلي “لويس إيناسيو لولا دا سيلفا” أمام جمهور من العمال والنقابيين، بعيدًا عن أجواء الحملات الانتخابية. لم يكن يسعى إلى حشد الأصوات، بل لتفسير مسار حياته، ولماذا وضع مكافحة الفقر والجوع في قلب مشروعه السياسي. وبينما كان يستعيد ذكريات شبابه، توقّف فجأة. تذكر يومًا دخل فيه مطعم المصنع شابًا فقيرًا يراقب العمال الآخرين يأكلون، بينما لم يكن يملك ثمن وجبة بسيطة. مع عودة المشهد إلى ذاكرته، اختنق صوته… ثم بكى. لم يبكِ الرئيس، بل بكى الطفل الذي لم يغادره يومًا.



لم تكن تلك اللحظة استعراضًا عاطفيًا، بل شهادة إنسانية عميقة على أن الفقر ليس عيبًا، وأن الجوع جرح أخلاقي لا يندمل. لولا لم يُخفِ ماضيه، ولم يحاول تلميعه، بل جعله مصدرًا للشرعية الأخلاقية والقوة السياسية. قدّم درسًا في أن القيادة الحقيقية لا تولد من الامتياز، بل من التجربة، وأن من عرف الجوع قادر على أن يفهم الجائعين وجوديًا، لا نظريًا.



حين شاهدت هذه اللحظة، لم أستطع أن أمنع دموعي؛ ليس بوصفها مشهدًا عاطفيًا عابرًا، بل لأنها أظهرت كيف يمكن للذاكرة الشخصية أن تتحول إلى التزام عام بالعدالة والكرامة، وكيف تشكل التجربة الفردية بوصلة أخلاقية للسياسة حين تُحفظ وتُصان.



في عالم تتسع فيه الهوة بين الأغنياء والفقراء، يصبح بكاء رئيس دولة كبرى فعلًا سياسيًا بامتياز. يذكّرنا أن مكافحة الفقر ليست بندًا تقنيًا في برنامج حكومي، بل التزامًا أخلاقيًا ينبع من الذاكرة الشخصية ويتجسد في السياسات العامة. حين يقول “لولا”: «لا أريد لأي برازيلي أن يعيش ما عشته»، فهو لا يطلق شعارًا انتخابيًا، بل يعلن عهدًا إنسانيًا تُختبر صدقيته في الموازنات، الأولويات، وقدرة الدولة على حماية الأكثر هشاشة.



هذه الدروس ليست محصورة بالبرازيل. فاليوم يعاني ملايين في العالم من نقص التغذية، خصوصًا في المناطق المتأثرة بالنزاعات، تغيّر المناخ، وانهيار الخدمات الأساسية. في هذه السياقات، لا يكون الجوع مجرد أزمة إنسانية، بل تهديدًا مباشرًا للأمن الإنساني، يقوّض الاستقرار، ويغذّي دوائر العنف، ويفسد فرص التنمية والسلام.



مكافحة الفقر لا تتحقق فقط بحلول إسعافية أو برامج قصيرة الأمد، بل تتطلب سياسات مستدامة تعالج جذور الفقر البنيوية: تعليم جيد، رعاية صحية شاملة، عمل لائق، وحماية اجتماعية. هذا هو جوهر أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة، التي تسعى للقضاء على الفقر والجوع، تقليص أوجه عدم المساواة، وبناء مجتمعات أكثر عدلًا وقدرة على الصمود. التنمية المستدامة ليست رفاهًا أخلاقيًا، بل شرطًا للاستقرار والسلام وبناء المستقبل.



أهميتها تتضاعف في مناطق اللجوء والكوارث، حيث لا يكفي توفير الغذاء المؤقت لإنقاذ الأرواح، رغم ضرورته القصوى. المطلوب ربط الإغاثة بالتنمية، وتمكين المجتمعات المتضررة من استعادة قدرتها على الإنتاج، التعليم، والاعتماد على الذات. الجوع هنا ليس مجرد نتيجة للفقر، بل انعكاس لغياب العدالة واستشراء الفساد وتفكك الدولة واستمرار الأزمات دون حلول مستدامة.



تجربة لولا تجد صداها عالميًا. “نيلسون مانديلا”، بعد 27 عامًا في السجن، لم يزرع الكراهية، بل بنى مشروعًا وطنيًا للمصالحة والعدالة. كلا القائدين يحوّلان الألم الشخصي إلى التزام أخلاقي عام. الألم يصبح مدرسة للقيادة، والجراح الشخصية تتحول إلى مشاريع للكرامة الإنسانية.



استعادة لحظة بكاء لولا ليست مجرد استدعاء للعاطفة، بل تذكير بأن الجوع إهانة للكرامة، وأن التضامن الاجتماعي ليس خيارًا ثانويًا بل شرط لبقاء المجتمعات. الثقة بالنفس، حتى لمن وُلد في فقر، يمكن أن تقوده إلى أعلى المناصب دون أن يقطع صلته بجذوره، ودون أن ينسى من تركهم خلفه.



في زمن تتآكل فيه الثقة بين الشعوب وقادتها، تبقى هذه اللحظات الصادقة دليلًا على أن السياسة يمكن أن تكون فعل كرامة، وأن الكرامة، حين تتحول إلى سياسة عامة وتنمية مستدامة، قادرة على مواجهة الفقر بالعدالة لا بالخطاب. بكاء “لولا” لم يكن ضعفًا، بل قوة.


* الدكتور غسّان شحرور، منسّق الشبكة العربية للأمن الإنساني، طبيب وكاتب غزير الإنتاج وناشط في حقوق الإنسان، متخصص في قضايا الصحة والإعاقة ونزع السلاح والأمن الإنساني. وقد أسهم في حملات دولية تعنى بالسلام ونزع السلاح وحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة.


أضف تعليقاً على هذا الخبر
ارسل هذا الخبر
تعليق
إرسل الخبر
إطبع الخبر
RSS
حول الخبر إلى وورد

ملخصات تغذية الموقع
جميع حقوق النشر محفوظة 2009 - (صنعاء نيوز)