shopify site analytics
ليبيا.. مراسم عزاء لسيف الإسلام القذافي - تسريبات إبستين: الإمارات تدعم انفصال “أرض الصومال” - نغولو كانتي..نحلة تصنع العسل في كل زمان ومكان.. - يرى ما لا يراه الآخرون.. - عراقجي من مسقط: ندخل المفاوضات بـ "عيون مفتوحة" وثوابت وطنية لا تنازل عنها - الكشف عن 41 قطعة أثرية يمنية منهوبة.. - قوات الطوارئ تفرض سيطرتها على المكلا بعد معارك عنيفة مع “درع الوطن” - تحركات عسكرية أمريكية قرب خليج عدن.. - انهيار «ستارت الجديدة» والكلفة الإنسانية للانفلات النووي - من فتح ملف ابستين في توقيت حرب ايران؟ -
ابحث عن:



صنعاء نيوز - في يناير 2026 حذّرتُ في أكثر من مقال  أن العالم يقترب من الساعات الأخيرة لمعاهدة «ستارت الجديدة». وفي الخامس من فبراير 2026،

الجمعة, 06-فبراير-2026
صنعاء نيوز/د. غسّان شحرور * -







في يناير 2026 حذّرتُ في أكثر من مقال أن العالم يقترب من الساعات الأخيرة لمعاهدة «ستارت الجديدة». وفي الخامس من فبراير 2026، تحوّل ذلك التحذير إلى حقيقة مكتملة. للمرة الأولى منذ أوائل سبعينيات القرن الماضي، لم تعد هناك أي قيود قانونية ملزمة على القوات النووية الاستراتيجية للولايات المتحدة وروسيا. ما حدث ليس خللًا تقنيًا في مسار ضبط التسلّح، بل انهيارًا سياسيًا عميقًا، تتجاوز تداعياته الحسابات العسكرية ليصيب جوهر الأمن الإنساني، ونزع السلاح الإنساني، ومصداقية النظام الدولي نفسه.

كانت «ستارت الجديدة» آخر الأعمدة المتبقية لضبط التسلّح النووي الثنائي. ومع سقوطها، أُزيلت السقوف التي حدّت من عدد الرؤوس الحربية وأنظمة إيصالها، وتوقّفت آليات التفتيش وتبادل البيانات، ودُفعت أكبر ترسانتين نوويتين في العالم إلى فضاء من الغموض الاستراتيجي، تحكمه أسوأ الافتراضات لا أدنى درجات الثقة. وفي تحليلات سابقة، أكّدتُ أن هذا المسار سيعمّق أزمة المصداقية التي يعاني منها نظام عدم الانتشار النووي، ولا سيما الالتزامات الواردة في المادة السادسة من معاهدة عدم الانتشار. اليوم، لم يعد هذا تشخيصًا نظريًا؛ بل واقعًا عاريًا. عالم بلا «ستارت الجديدة» ليس عالمًا يتآكل فيه ركن نزع السلاح ببطء، بل عالم يتصدّع فيه هذا الركن علنًا وأمام الجميع.

وقد نبّهت «مجموعة الحكماء» إلى خطورة هذا المنعطف، محذّرةً من أن انتهاء المعاهدة يفتح الباب واسعًا أمام سباق تسلّح نووي جديد، أكثر هشاشة وأشد زعزعة للاستقرار. وللمرة الأولى منذ أكثر من نصف قرن، تعمل أكبر قوتين نوويتين بلا أي قيود قانونية متبادلة. وكانت الرسالة التي وجّهتها المجموعة لا لبس فيها: حين يتخلّى أصحاب أكبر المخزونات النووية عن ضبط النفس، يصبح إقناع الآخرين بعدم السعي إلى السلاح النووي مهمة شبه مستحيلة. وفي نظام دولي مثقل بالأزمات أصلًا، لا يكون هذا المسار سوى مقامرة متهوّرة بمصير البشرية.

ولا يقتصر الضرر على المجال النووي وحده. فانهيار «ستارت الجديدة» يقوّض البنية الأوسع لنزع السلاح الإنساني. فمعاهدات مثل حظر الألغام المضادة للأفراد واتفاقية الذخائر العنقودية قامت على قناعة أساسية: أن القانون الدولي قادر على تقييد أكثر الأسلحة عشوائية، وأن حماية المدنيين ليست خيارًا أخلاقيًا فحسب، بل التزامًا قانونيًا. وعندما تتعامل القوى الكبرى مع التزاماتها كأنها أوراق يمكن تمزيقها عند الحاجة، فإنها لا تنسحب من معاهدة بعينها، بل تُضعف ثقافة الامتثال التي يقوم عليها هذا النظام برمّته.

وتظهر آثار هذا التآكل بالفعل في ساحات نزاع متعددة، حيث بات استخدام الأسلحة المتفجرة في المناطق المأهولة، واستهداف المرافق الطبية، وتجاهل مبدأ حماية المدنيين ممارسات شبه اعتيادية. ويأتي انتهاء «ستارت الجديدة» ليُشرعن هذا الانحدار، إذ يبعث برسالة خطيرة مفادها أن حتى أهم اتفاقيات ضبط التسلّح يمكن تركها لتنهار دون مساءلة حقيقية أو كلفة سياسية.

ولا يمكن المبالغة في تقدير العواقب الإنسانية والطبية لهذه اللحظة. فالأسلحة النووية ليست أدوات استراتيجية مجرّدة؛ إنها كوارث طبية وإنسانية مؤجّلة، تنتظر خطأً سياسيًا واحدًا لتقع. تخيّل مدينة ما زالت شوارعها تحمل أسماءها، لكن مستشفياتها لم تعد أماكن للعلاج: أقسام طوارئ بلا كهرباء، أطباء يُجبرون على اتخاذ قرارات فرز قاسية بين المصابين، أطفال يُعالجون من حروق لا تلتئم في أجنحة مكتظة، قبل أن تبدأ أولى موجات التسمم الإشعاعي. هذا ليس سيناريو من أدبيات الحرب الباردة، بل واقع موثّق لأي تفجير نووي، في أي مكان، وفي أي زمان. في نهاية المطاف، يُقاس فشل ضبط التسلّح بالأجساد البشرية، لا بعدد الرؤوس الحربية أو توازنات الردع.

وقد ذكّرت «مجموعة الحكماء» بحق بأن أي استخدام للسلاح النووي—سواء كان عرضيًا أم متعمّدًا—سيشكّل فشلًا قياديًا كارثيًا. أما اقتراب «ساعة القيامة» إلى خمسٍ وثمانين ثانية قبل منتصف الليل، فليس تعبيرًا عن تهويل إعلامي، بل خلاصة علمية لتراكم مؤشرات تؤكد أن البشرية تقترب من نقطة يصعب الرجوع عنها.

في مواجهة هذا الانسداد، تكتسب معاهدة حظر الأسلحة النووية (TPNW) أهمية متجددة. فهي تستند إلى المبادئ الإنسانية وإلى شهادات الناجين، وتقدّم بديلًا أخلاقيًا وقانونيًا عن شلل مسار ضبط التسلّح التقليدي. ومع تراجع الدول النووية عن التزاماتها، تظل هذه المعاهدة تذكيرًا بأن نزع السلاح ليس طموحًا تقنيًا مؤجّلًا، بل واجبًا قانونيًا وضرورة أخلاقية لحماية الحياة البشرية.

هذه اللحظة لا تحتاج إلى مزيد من الشرح، بل إلى تحمّل المسؤولية.

على الحكومات أن تعيد بناء الثقة، وتستأنف مسار ضبط تسلّح قابل للتحقق والمساءلة.

وعلى المجتمع المدني أن يرفع صوته، ويرفض تطبيع الخطر النووي بوصفه أمرًا حتميًا.

وعلى العاملين في المجالين الإنساني والطبي أن يواصلوا توثيق وشرح ومواجهة الآثار الحقيقية للسياسات النووية.

وعلى الإعلام أن يتخلّى عن وهم أن الخطر النووي بعيد أو نظري؛ فهو خطر آني، ملموس، وقابل للمنع.

إن انتهاء «ستارت الجديدة» ليس نهاية ضبط التسلّح، لكنه إنذار واضح وعاجل وقاسٍ. إنذار بأن النظام الدولي ينزلق نحو عالم تُترك فيه أكثر الأسلحة تدميرًا بلا قيود، وتُفرغ فيه المعايير الإنسانية من معناها، وتفقد فيه الالتزامات الدولية قيمتها.

وإذا رفضت القوى الكبرى تحمّل مسؤوليتها، فعلى بقيّة العالم أن يفعل.

فالصمت تواطؤ، واللامبالاة استسلام، والاستسلام غير وارد حين تكون حياة البشر وكرامتهم ومستقبل الأجيال على المحك.



* الدكتور غسّان شحرور، منسّق الشبكة العربية للأمن الإنساني، طبيب وكاتب غزير الإنتاج وناشط في حقوق الإنسان، متخصص في قضايا الصحة والإعاقة ونزع السلاح والأمن الإنساني. وقد أسهم في حملات دولية تعنى بالسلام ونزع السلاح وحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة.

---


أضف تعليقاً على هذا الخبر
ارسل هذا الخبر
تعليق
إرسل الخبر
إطبع الخبر
RSS
حول الخبر إلى وورد

ملخصات تغذية الموقع
جميع حقوق النشر محفوظة 2009 - (صنعاء نيوز)