صنعاء نيوز/ - زلزال برلين: مائة ألف إيراني يرسمون خارطة الطريق لإسقاط الاستبداد
نظام مير محمدي
كاتب حقوقي وخبير في الشأن الإيراني
لم تكن برلين يوم السبت 7 شباط/فبرتير مجرد عاصمة أوروبية تحتضن تجمعاً للمغتربين، بل تحولت إلى ساحة لإعلان ميلاد فجر جديد لإيران. تحت بوابة "براندنبورغ" التاريخية، احتشد نحو مائة ألف إيراني، متحدين البرد القارس والعقبات الجوية، ليوجهوا رسالة مدوية إلى العالم: إن ثورة يناير ٢٠٢٦ في الداخل لم تعد مجرد انتفاضة عابرة، بل هي حراك منظم تقوده إرادة شعب قرر استعادة سيادته المسلوبة. هذا الحشد المليوني الافتراضي بوقائعه الميدانية، أكد أن المقاومة الإيرانية باتت الرقم الأصعب في معادلة التغيير، والبديل الجاهز لملء فراغ السلطة بعد سقوط الملالي.
في خطابها التاريخي أمام الحشود، وضعت السيدة مريم رجوي، الرئيسة المنتخبة للمجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، النقاط على الحروف فيما يخص مستقبل البلاد. أكدت رجوي أن إسقاط النظام ليس دعوة للفوضى، بل هو "بوابة للانتقال المنظم نحو سيادة الشعب". وبثقة تستند إلى عقود من النضال المنظم، طرحت رجوي رؤية "إيران الغد"؛ جمهورية ديمقراطية تقوم على فصل الدين عن الدولة، والمساواة الكاملة، وإيران غير نووية تعيش بسلام مع جيرانها. لقد كان تأكيدها على شعار "لا لنظام الشاه ولا لنظام الملالي" بمثابة المسمار الأخير في نعش كافة أشكال الديكتاتورية، مشددة على أن البديل الديمقراطي المتمثل في المجلس الوطني للمقاومة هو الضامن الوحيد لعدم انزلاق البلاد نحو المجهول.
ولم يغب البعد الدولي عن هذا المشهد؛ فقد وصف شارل ميشيل، الرئيس السابق للمجلس الأوروبي، نضال الشعب الإيراني بأنه "مقاومة القرن الحادي والعشرين". وفي تحليل سياسي عميق، أشار ميشيل إلى أن الثورة التي أطاحت بالشاه سُرقت على يد الملالي، مما أدى إلى فشل مزدوج للديكتاتورية في إيران. وأكد بشكل قاطع أن سياسة الاسترضاء مع طهران قد لفظت أنفاسها الأخيرة، وأن الحل الوحيد يكمن في دعم الإرادة الشعبية والمقاومة المنظمة، وليس في التدخلات الخارجية التي أثبتت فشلها.
من جانبه، عزز مايك بومبيو، وزير الخارجية الأمريكي الأسبق، هذا الطرح بتأكيده أن ما يجري في إيران هو "ثورة حقيقية" ضد نظام فاقد للشرعية. وأشار بومبيو بوضوح إلى أن المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية يقدم "بدیلاً واضحاً" لا يحتاج إلى وصاية خارجية، بل يعتمد على التنظيم الداخلي والانتخابات الحرة. هذا الدعم لم يقتصر على المواقف السياسية، بل امتد ليشمل البعد الحقوقي؛ حيث شددت وزيرة العدل الألمانية السابقة زابينه لويتهويزر-اشنارنبرغر على ضرورة الملاحقة الدولية لقتلة الشعب الإيراني، معتبرة أن "لا حصانة للمجرمين" أمام إصرار وحدات المقاومة في الداخل.
إن ما يميز "ملحمة برلین" هو ذلك التلاحم العضوي بين مائة ألف في الخارج وبين "وحدات المقاومة" في الداخل، التي شارك أعضاؤها في أشرف ٣ عبر البث المباشر. لقد أثبت هذا التكامل أن المقاومة الإيرانية هي العمود الفقري للانتفاضة، وهي القوة القادرة على تحويل الغضب الشعبي إلى فعل سياسي منظم.
وفي الختام، إن تظاهرة برلين الكبرى وضعت المجتمع الدولي أمام مسؤولياته التاريخية. فالمطالب الستة التي طرحتها السيدة رجوي، من الاعتراف بحق الشعب في إسقاط النظام إلى إغلاق سفارات الإرهاب، لم تعد مجرد مطالب فئة سياسية، بل هي إرادة أمة تتوق للحرية. لقد أثبتت المقاومة الإيرانية أنها تمتلك الرؤية، والقيادة، والقاعدة الشعبية الجاهزة لإدارة المرحلة الانتقالية، مؤكدة أن فجر الجمهورية الديمقراطية في إيران قد اقترب، وأن عهد الديكتاتوريات قد ولى إلى غیر رجعة.
|