shopify site analytics
مقتل شاب يمني في معارك أوكرانيا - السعودية تواصل تضييق الخناق على الإمارات - السعودية تتهم الإمارات بارتكاب جرائم حرب في اليمن - عاجل | البنك المركزي اليمني يعلن بدء صرف مرتبات موظفي الدولة لشهر ديسمبر 2025م - الشرق الأوسط فوق فوهة بركان: هل انتهى زمن حروب الظل بين واشنطن وطهران؟ ‏ - مخاطر عدم دمج البشمركة في الجيش العراقي: دروس من التجربة السورية - التطهير العرقي والعدوان على مخيمات شمال الضفة - نهاية أحاسيس البشر والعد العكسي صوب المجهول - إيلام جاي يعود برؤية إفريقية معاصرة - زلزال برلين -
ابحث عن:



صنعاء نيوز - إن أخطر ما يترتب على عدم دمج قوات البشمركة في الجيش العراقي هو تكريس ازدواجية السلاح والقرار العسكري داخل الدولة الواحدة

الأحد, 08-فبراير-2026
صنعاء نيوز/إيهاب مقبل -



إن أخطر ما يترتب على عدم دمج قوات البشمركة في الجيش العراقي هو تكريس ازدواجية السلاح والقرار العسكري داخل الدولة الواحدة. فوجود قوة مسلحة كبيرة ومنظمة خارج الإطار الاتحادي، مهما كانت دوافعها تاريخية أو سياسية، يضعف مفهوم الدولة الحديثة التي تحتكر استخدام القوة. ومع مرور الوقت، تتحول هذه الازدواجية من حالة مؤقتة إلى واقع دائم، يصعب تفكيكه دون كلفة عالية، ويجعل الدولة عرضة للاهتزاز عند كل أزمة سياسية بين المركز والإقليم.

التجربة السورية مع «قسد»: نموذج تحذيري واضح
تقدّم التجربة السورية مع قوات سوريا الديمقراطية «قسد» مثالًا بالغ الأهمية على مخاطر ترك قوى عسكرية كبيرة خارج بنية الجيش الوطني. فقد نشأت قسد كقوة أمر واقع بدعم خارجي، وسيطرت على مساحات واسعة من شرق وشمال سوريا، بما في ذلك مناطق ذات غالبية عربية وحقول نفط وغاز استراتيجية. ومع غياب الدمج الحقيقي في الجيش السوري، تحوّلت هذه السيطرة إلى أداة نفوذ سياسي واقتصادي، وأدّت إلى توترات عميقة مع الدولة المركزية ومع المكونات المحلية في تلك المناطق.

محاولات الدمج التي طُرحت لاحقًا جاءت متأخرة ومليئة بالتعقيدات، لأن قسد كانت قد بنت هياكل إدارية وعسكرية واقتصادية مستقلة، ما جعل أي دمج فعلي تهديدًا مباشرًا لمصالحها ونفوذها. النتيجة كانت حالة عدم استقرار مستمرة، واحتكاكات أمنية وعسكرية، وشكوك متبادلة، وتحول مناطق النفط إلى بؤر صراع مفتوحة بدل أن تكون مصدر دعم لوحدة الدولة.

هذا النموذج يقدّم تحذيرًا واضحًا للعراق: كلما تأخر الدمج، ازدادت كلفته السياسية والأمنية، وتعقّد تنفيذه لاحقًا.

خطر تسييس الموارد وخلق مناطق نفوذ مغلقة
عدم دمج البشمركة يفتح الباب أمام سيناريوهات خطيرة تتعلق بالموارد السيادية، خصوصًا في المناطق المتنازع عليها أو الغنية بالنفط والغاز مثل كركوك والموصل. ففي غياب جيش وطني موحّد، يمكن أن تتحول هذه الموارد إلى ورقة ضغط سياسية، أو إلى مصدر تمويل مستقل لقوى عسكرية غير خاضعة للرقابة الاتحادية. وهذا ما حدث جزئيًا في الحالة السورية، حيث أصبحت الموارد النفطية جزءًا من معادلة الصراع، لا من منظومة التنمية الوطنية.

بالنسبة للعراق، فإن استمرار هذا الوضع يهدد وحدة السياسة الاقتصادية، ويقوّض مبدأ العدالة في توزيع الثروات، ويُضعف قدرة الدولة على التخطيط الاستراتيجي طويل الأمد.

الانقسام الداخلي داخل البشمركة نفسها
من المخاطر التي غالبًا ما يتم تجاهلها أن قوات البشمركة ليست موحّدة بالكامل من حيث القيادة والولاء. فجزء كبير منها يتبع تقليديًا للحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة عائلة البارزاني، بينما يتبع جزء آخر للاتحاد الوطني الكردستاني بزعامة عائلة الطالباني. هذا الانقسام الحزبي والعائلي داخل قوة مسلحة واحدة يشكّل بحد ذاته خطرًا بنيويًا، لأنه يعني تعدّد مراكز القرار داخل الإقليم، فضلًا عن تعدّدها على مستوى الدولة ككل.

في حال نشوب خلاف سياسي داخلي كردي أو توتر مع الحكومة الاتحادية، قد يتحول هذا الانقسام إلى عامل عدم استقرار أمني، ويضعف قدرة الإقليم نفسه على اتخاذ موقف موحّد، ناهيك عن تأثيره السلبي على الأمن الوطني العراقي.

احتمالات الصدام المسلح عند الأزمات الكبرى
التاريخ العراقي الحديث يُظهر أن الأزمات السياسية غالبًا ما تتحول بسرعة إلى أزمات أمنية. ومع وجود قوات مسلحة متعددة الولاءات، فإن أي خلاف حاد حول الصلاحيات، أو الموازنة، أو المناطق المتنازع عليها، قد ينزلق إلى مواجهة عسكرية غير محسوبة. عدم الدمج يبقي هذا الاحتمال قائمًا، حتى وإن بدا مستبعدًا في الظروف الطبيعية، لأن الأزمات الكبرى لا تُدار دائمًا بمنطق العقل البارد.

إضعاف بناء هوية عسكرية وطنية جامعة
استمرار الفصل بين البشمركة والجيش العراقي يعرقل بناء هوية عسكرية وطنية موحّدة، ويكرّس الانقسام النفسي بين "قوات الإقليم" و"قوات الدولة". هذا الانقسام لا يقتصر على القيادات، بل يمتد إلى الجنود والضباط، ويؤثر على طريقة فهمهم لدورهم الوطني، ما ينعكس سلبًا على تماسك الدولة في المدى البعيد.

غياب النموذج الإقليمي العسكري في الدول الغربية الديمقراطية المستقرة
عند مقارنة الحالة العراقية بالتجارب الغربية، يتبيّن بوضوح أنه لا توجد في الدول الغربية الديمقراطية المستقرة أي أقاليم تمتلك قوات عسكرية مستقلة خارج إطار الجيش الوطني السيادي. فرغم تنوّع النماذج الدستورية بين دول فدرالية ولا مركزية، إلا أن مسألة السيادة العسكرية تبقى خطًا أحمر لا يُسمح بتجاوزه، لما تحمله من مخاطر مباشرة على وحدة الدولة واستقرارها.

في الولايات المتحدة، ورغم كونها دولة فدرالية بامتياز، لا تمتلك أي ولاية جيشًا مستقلًا. فـ«الحرس الوطني» التابع للولايات يُعد جزءًا لا يتجزأ من القوات المسلحة الأميركية، ويخضع عند الطوارئ والحروب الخارجية للقيادة الفدرالية المباشرة، ولا يمتلك عقيدة قتالية أو قرارًا عسكريًا مستقلًا عن الدولة الاتحادية.

وفي بريطانيا، التي تضم أقاليم تتمتع بصلاحيات سياسية واسعة مثل اسكتلندا وويلز وإيرلندا الشمالية، لا توجد أي قوات عسكرية إقليمية. فالجيش البريطاني موحّد بالكامل، وتخضع جميع التشكيلات المسلحة لقيادة مركزية واحدة في لندن، حتى في أكثر الأقاليم حساسية من الناحية التاريخية والأمنية.

أما في ألمانيا، وهي دولة فدرالية ذات صلاحيات واسعة للولايات، فإن الدستور يمنع بشكل قاطع قيام أي قوات عسكرية إقليمية. فالجيش الألماني قوة اتحادية خالصة، ولا تمتلك الولايات سوى قوات شرطة محلية، في حين تبقى السيادة العسكرية والقرار الدفاعي حكرًا على الحكومة الاتحادية.

وينطبق الأمر ذاته على فرنسا، إسبانيا، كندا، وأستراليا، حيث لا تمتلك الأقاليم، بما فيها تلك التي تشهد نزعات قومية أو انفصالية مثل كاتالونيا أو كورسيكا، أي قوات عسكرية مستقلة. وفي جميع هذه الدول، تُعد اللامركزية السياسية أو الإدارية أمرًا مشروعًا، لكن اللامركزية العسكرية تُعد تهديدًا مباشرًا لكيان الدولة.

تُظهر هذه المقارنة أن النموذج الغربي الحديث لا يربط الفدرالية أو الحكم الذاتي بامتلاك السلاح الثقيل أو القوات العسكرية المستقلة، بل على العكس، يعتبر وحدة الجيش شرطًا أساسيًا لاستقرار الدولة واستمرارها. ومن هذا المنظور، فإن استمرار وجود قوات البشمركة خارج إطار الجيش العراقي لا يجد له سندًا في التجارب الديمقراطية المستقرة، بل يبقى استثناءً فرضته ظروف تاريخية وسياسية مؤقتة، تأخر التعامل معها حتى تحولت إلى معضلة بنيوية.

السعي الأميركي لدمج التشكيلات المسلحة وبناء جيش عراقي موحّد
منذ هزيمة تنظيم داعش عسكريًا، برز توجّه أميركي واضح يدفع باتجاه إعادة هيكلة المنظومة الأمنية العراقية على أساس حصر السلاح بيد الدولة ودمج التشكيلات المسلحة ضمن الجيش العراقي أو المؤسسات الرسمية الخاضعة له. هذا التوجّه لا ينطلق فقط من اعتبارات أمنية داخلية، بل من رؤية أوسع ترى أن استقرار العراق لا يمكن أن يتحقق بوجود قوى مسلحة موازية للدولة، تمتلك قرارها الخاص، وعلاقاتها الإقليمية، ومصادر تمويلها المستقلة.

في هذا الإطار، تدفع واشنطن باتجاه دمج القوات العراقية غير الرسمية أو تفكيكها تدريجيًا ضمن مؤسسات الدولة، بهدف إنهاء حالة "الدولة داخل الدولة"، وضمان أن يكون الجيش العراقي هو الجهة الوحيدة المخوّلة بحمل السلاح الثقيل وإدارة العمليات العسكرية الاستراتيجية.

غير أن نجاح هذا المشروع يبقى مرهونًا بمدى اتساقه وشموليته. فاستمرار استثناء قوات البشمركة من مسار الدمج، مع الإصرار في الوقت نفسه على دمج أو تحجيم بقية التشكيلات المسلحة، يخلق ازدواجية خطيرة في المعايير. هذا الاستثناء يمنح القوى الأخرى حجة سياسية وقانونية جاهزة مفادها: إذا كانت الدولة تقبل بوجود قوة مسلحة إقليمية كبيرة خارج الجيش، فلماذا يُطلب من غيرها التخلي عن استقلالها العسكري؟

بهذا المعنى، فإن عدم إدراج البشمركة ضمن مشروع الدمج الشامل لا يضعف فقط فكرة الجيش الوطني الموحد، بل يقوّض الأساس المنطقي الذي تُبنى عليه مطالب دمج القوى الأخرى، ويحوّل المشروع برمّته إلى عملية انتقائية تفتقر إلى العدالة والتوازن.

الخاتمة
تُظهر التجارب الإقليمية، وفي مقدمتها الحالة السورية مع قوات سوريا الديمقراطية، أن ترك قوى عسكرية كبيرة خارج إطار الجيش الوطني لا يؤدي إلى الاستقرار، بل يؤسس تدريجيًا لواقع موازٍ للدولة، سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا، يصعب احتواؤه دون صدام. وفي العراق، تتضاعف مخاطر هذا المسار بفعل خصوصية ملف البشمركة، سواء من حيث ثقلها العسكري، أو انقسامها الداخلي الحزبي، أو ارتباطها المباشر بملفات حساسة تتعلق بالمناطق المتنازع عليها والموارد السيادية.

إن استمرار استثناء البشمركة من أي مشروع وطني شامل لدمج التشكيلات المسلحة، في وقت تُمارَس فيه ضغوط داخلية وخارجية – ولا سيما أميركية – لدمج أو تحجيم قوى مسلحة أخرى، يخلق ازدواجية خطيرة في المعايير، ويمنح تلك القوى ذريعة سياسية وقانونية للتمسك بسلاحها خارج إطار الدولة. وبهذا، لا يتحول عدم الدمج إلى مسألة إقليمية تخص كردستان وحدها، بل إلى عامل يهدد كامل مشروع بناء الدولة العراقية الحديثة.

من هنا، فإن دمج قوات البشمركة في الجيش العراقي، ضمن إطار قانوني ودستوري عادل ومتوازن، لا ينبغي النظر إليه كتنازل أو إلغاء لخصوصية الإقليم، بل كخطوة ضرورية لضمان استقرار الإقليم، وترسيخ مبدأ المساواة أمام الدولة، وحصر السلاح بيدها، وبناء جيش وطني موحد قادر على حماية السيادة، وضمان الاستقرار، ومنع تكرار السيناريوهات التفككية التي شهدتها دول أخرى في المنطقة. ففي نهاية المطاف، لا يمكن لدولة قوية أن تقوم على استثناءات دائمة، ولا لجيش وطني أن يُبنى بقرارات انتقائية.

انتهى
أضف تعليقاً على هذا الخبر
ارسل هذا الخبر
تعليق
إرسل الخبر
إطبع الخبر
RSS
حول الخبر إلى وورد

ملخصات تغذية الموقع
جميع حقوق النشر محفوظة 2009 - (صنعاء نيوز)