صنعاء نيوز - إيهاب مقبل
بينما تصف الحكومة السويدية بدل العودة الطوعية بأنه "فرصة سخية للمقيمين الراغبين بالعودة"، يعيش أكثر من 800 ألف مقيم غير سويدي، من بينهم العراقيون والسوريون والصوماليون والأفغان، تحت ضغط نفسي دائم وخوف مستمر. الأرقام تكشف الحقيقة الصادمة: حتى منتصف فبراير شباط الجاري 2026، تم تقديم 272 طلباً فقط، ولم يُوافق أي طلب. المستفيد صفر، والرسالة واضحة: البرنامج ليس لمصلحة المقيمين، بل لتلميع صورة الحكومة داخلياً وخارجياً، مع تفكيك جزء من المجتمع المهاجر نفسه.
عندما رفعت الحكومة السويدية بقفزة بهلوانية بدل "العودة الطوعية" من 10 آلاف (1100 دولار) إلى 350 ألف كرون (39,000 دولار) للفرد و600 ألف (67,000 دولار) للأسرة، حاولت تقديم القرار كخطوة سخية وإنسانية، وكأنه يعكس حرص السويد على دعم المقيمين غير المواطنين الراغبين بالعودة إلى أوطانهم. الحقيقة أكثر قسوة: هذا البرنامج ليس أكثر من مسرحية سياسية متقنة، كبيرة في العناوين، صغيرة في النتائج الواقعية، وفعالة فقط في التأثير النفسي والإعلامي.
البرنامج لا يهدف لحل مشاكل المقيمين، بل لخدمة مجموعة من الأهداف السياسية والإعلامية والمالية الضيقة، مع تجاهل تام لواقع مئات الآلاف ممن يُفترض أنهم المستهدفون.
رسالة للناخب… لا للمقيم
الهدف الأساسي من البرنامج ليس تسهيل العودة، بل إرسال رسالة قوية للناخب السويدي بأن الحكومة "تفعل شيئاً" في ملف الهجرة. الأرقام الحقيقية تكشف الفجوة: حتى منتصف فبراير شباط 2026، تم تقديم 272 طلباً فقط على مستوى البلاد، ولم يُوافق أي طلب. مقارنة بما يزيد عن 800 ألف مقيم غير سويدي، يظهر بوضوح أن القرار أداة سياسية للتسويق الداخلي أكثر من كونه سياسة هجرة عملية.
الرسالة المبطنة للناخب: الحكومة صارمة، حازمة، تتحرك بسرعة، لكنها لا تهتم بالنتائج الواقعية.
ترحيل مقنّع بلغة ناعمة
البرنامج يموّه الترحيل القسري تحت ستار "العودة الطوعية". الحكومة تقول إن المغادرة اختيارية، لكنها تضع شروطاً تجعلها شبه مستحيلة. البقاء يصبح مشروطاً، والرحيل مفروضاً بشكل غير مباشر. من لا يمتثل للشروط يشعر بالتهديد النفسي المستمر، بينما القانون يظل ظاهرياً "طوعياً".
الضغط النفسي على المقيمين
الإعلان عن مبالغ ضخمة، وربطها بالعودة، يخلق ضغطاً نفسياً هائلاً، حتى على من يعلمون أنهم غير مؤهلين. المقيمون يشعرون بأن أي خطوة خاطئة قد تجعل مستقبلهم في السويد غير مضمون. البرنامج هنا يتحول إلى أداة للسيطرة النفسية الجماعية، لا خيار حقيقي.
الحساب الاقتصادي البارد
من منظور الحكومة، دفع مبلغ لمرة واحدة أفضل من دعم سنوي مستمر لمقيم بلا اندماج أو عمل. هذا القرار يتجاهل جذور المشكلة: لماذا فشل النظام في دمج هؤلاء المقيمين؟ البرنامج يحوّل الكلفة المستمرة إلى دفعة واحدة، ويصف الفشل الاجتماعي بأنه "تكلفة يجب التخلص منها".
تصفية الفئات العالقة بدل حلها
الفئات المستهدفة فعلياً هي من علقت سنوات في مناطق رمادية: لا اندماج كامل، ولا مغادرة طبيعية. بدلاً من معالجة أسباب التهميش أو الاستثمار في التعليم والعمل، يُفتح لهم باب المغادرة المشروط، لإزاحتهم عن الشارع السويدي دون حل حقيقي. السياسة هنا ترمي المشكلة جانباً بدل مواجهتها.
امتصاص ضغط اليمين دون تبنّي قسوته
البرنامج يعمل كصمام أمان سياسي لتهدئة ضغط الأحزاب اليمينية المتطرفة، دون تبني خطابها العنيف. القرار يتيح للحكومة أن تقول إنها "شدّدت الهجرة" دون اللجوء إلى سياسات قسرية مكلفة سياسياً أو قانونياً. هذا التوازن يخدم الحكومة داخلياً لكنه لا يغير واقع الهجرة على الأرض.
تلميع الصورة دولياً: البهرجة الإعلامية
بعيداً عن الواقع المحلي، يسعى البرنامج لتلميع صورة السويد أمام الإعلام الدولي. الإعلان عن مبالغ ضخمة وطموحات إنسانية يخلق الانطباع بأن السويد دولة سخية وحازمة في الوقت نفسه، تهتم بالمقيمين وتوفر لهم خيارات كريمة. في الواقع، هو استعراض إعلامي فارغ: البرنامج عملياً شبه معدوم الفاعلية، والغالبية الساحقة ممن كان يُفترض أنهم المستهدفون محكوم عليهم بالبقاء تحت ضغط مستمر دون أي خيار فعلي.
شرط CSN: الغالبية مستبعدة قبل أن تبدأ
شرط عدم وجود ديون لدى هيئة الدعم الدراسي (CSN) يستبعد الغالبية الساحقة من المقيمين. معظم اللاجئين مرّوا عبر نظام التعليم السويدي وحصلوا على قروض للدراسة أو دعم للمعيشة. الشرط هنا ليس مسألة تقنية، بل أداة لتصفية المستفيدين مسبقاً، بحيث يبقى البرنامج مجرد "فراغ إعلامي" على أرض الواقع.
أهداف خفية وراء البرنامج
البرنامج يخدم أهدافاً أوسع مما يبدو:
1. سياسة الداخل: خلق صورة قوية للحزم أمام الناخبين.
2. ضغط نفسي على المقيمين: زرع شعور بعدم الاستقرار المستمر.
3. تلميع الصورة دولياً: إبراز السويد كدولة نموذجية في معالجة الهجرة.
4. التصفية الاقتصادية: التخلص من تكاليف دعم المقيمين بلا عمل أو اندماج.
5. السيطرة الاجتماعية: تحريك المقيمين في الهامش دون تغييرات جوهرية في سياسات الدمج.
6. تفكيك مجتمع المهاجرين: يسعى البرنامج إلى تفكيك الشبكات الاجتماعية والثقافية داخل مجتمعات المهاجرين، عبر خلق ضغوط مباشرة وغير مباشرة على الأسر لتفكيك روابطها، وتشجيع مغادرة بعض أفرادها. كما يُفرض شعور دائم بالانعزال والخوف داخل الأحياء المهاجرة، مما يؤدي إلى تآكل النسيج الاجتماعي والثقافي للمجتمعات المهاجرة في السويد، ويضعف قدرتها على الصمود والتماسك.
هذه الأهداف تكشف أن البرنامج لا يخاطب مصالح المقيمين، بل مصلحة الدولة وصورتها السياسية والإعلامية.
الخلاصة الصادمة: برنامج صاخب… وفعالية معدومة
ما نراه ليس سياسة هجرة، بل مسرحية سياسية بهلوانية. بدل العودة الطوعية كبير في الصوت، صغير في الأثر، لكنه فعال في التأثير النفسي والإعلامي والسياسي. الرسالة الحقيقية ليست: "نساعدك على العودة"، بل: "وجودك هنا غير مضمون، والمغادرة دائماً خيار مطروح".
الخطورة ليست في عدد المغادرين، بل في الأثر النفسي العميق على مئات الآلاف الذين سيبقون، يعيشون تحت ضغط دائم وخوف مستمر، بينما البرنامج، صراحة، لم يُصمَّم لهم أصلاً، وكل ما يهم الحكومة هو الصورة الإعلامية الرنانة داخلياً وخارجياً، مع تفكيك جزء من النسيج الاجتماعي والثقافي لمجتمع المهاجرين، وإضعاف تماسكهم الاجتماعي داخل السويد.
انتهى |