shopify site analytics
على حافة المواجهة - لخيانة الرابعة: كيف كشفت فضيحة إبستين فشل الإعلام في حماية الضحايا - هم الدولة الكردية: كيف يستغل الكيان اليهودي الأكراد؟ - لخطاب الإسرائيلي إفلاس سياسي وأخلاقي وقانوني - الفنانة رحاب فوزي تنضم لفيلم «القرية المسكونة» وتقدم دور البطولة بشخصية “رغد” - في صلاح الدين لا ينام التاريخ… بل يراقب النهر - معركة احد ودور المنافقين الخطير - الرويشان يكتب : تحت حجة المقاطعة - قرعة بطولة الدكتور العوذلي الرمضانية لكرة القدم بمديرية مكيراس بالبيضاء - الأمجاد يستهل مشواره بفوز صعب على الرشيد -
ابحث عن:



صنعاء نيوز - 

قضية جيفري إبستين نوقشت بلا نهاية: الأسماء، الشبكات، الجزيرة، ونظريات المؤامرة. العالم حفظ تفاصيل الفضيحة، لكنه بالكاد حفظ أسماء من أعادوا

الأحد, 22-فبراير-2026
صنعاء نيوز/ بقلم د. غسّان شحرور -


قضية جيفري إبستين نوقشت بلا نهاية: الأسماء، الشبكات، الجزيرة، ونظريات المؤامرة. العالم حفظ تفاصيل الفضيحة، لكنه بالكاد حفظ أسماء من أعادوا فتح الملف، أو شجاعة الناجيات وعائلاتهنّ اللواتي جعلن العدالة ممكنة. هذا الصمت ليس مصادفة، بل فشل ثقافي يشكّل الخيانة الرابعة التي تجعل الأطفال في كل مكان أكثر عرضة للخطر.

وخلال سنوات عملي في مجال الأمن الإنساني وحقوق الطفل، اعتدت أن أرى كيف تُهمَّش الشجاعة الحقيقية لصالح الإثارة الإعلامية. فالخيانة الأولى ارتكبتها المؤسسات التي وفّرت الحماية لمعتدٍ نافذ. والثانية جاءت من نظام قضائي ضلّل الضحايا. والثالثة من مجتمعٍ غضّ الطرف عن استغلال الأطفال عندما كان المعتدي ثرياً أو صاحب نفوذ. أمّا الخيانة الرابعة فهي الأكثر هدوءاً وعمقاً: افتتان الجمهور بالفضيحة على حساب العدالة، واستعداد الإعلام لتغذية هذا الافتتان. إنها خيانة تُعلي من شأن الأسماء اللامعة المحيطة بالقضية، وتتجاهل من ناضلوا من أجل الحقيقة.

ويتجلّى هذا الخلل في كل مؤشّر لاهتمام الجمهور. فقد ارتفعت عمليات البحث عالمياً عن “قائمة إبستين”، بينما بالكاد ظهر اسم الصحفية جولي ك. براون، التي كشفت تحقيقاتها صفقة الادعاء غير القانونية عام 2008 وأعادت فتح الملف. احتفت العناوين بأسماء النخبة، لكنها لم تمنح سوى سطور قليلة لتحقيقٍ استغرق عاماً كاملاً، جمع الأدلة، وتتبع الضحايا، وأجبر النظام القضائي على التحرك. وحتى بعد أن حكم قاضٍ فيدرالي بأن حقوق الضحايا قد انتُهِكت، بقيت التغطية الإعلامية أسيرة الفضيحة لا المساءلة.

هذه ليست مشكلة إعلامية فحسب، بل تشوّه ثقافي. فالفضيحة سهلة الاستهلاك، بينما العدالة تتطلب جهداً ومسؤولية. الفضيحة تُسلّي، والعدالة تُلزم. الفضيحة تضع الجاني في المركز، والعدالة تضع الضحية. وعندما يكافئ المجتمع الإثارة على حساب الحقيقة، فإنه يرسل رسالة خطيرة: أن حماية الأطفال أقل قيمة من الجرائم المرتكبة ضدهم.

وتتجاوز الخيانة الرابعة حدود الإعلام، فهي تمحو أيضاً شجاعة الناجيات وعائلاتهنّ اللواتي تحدّين الصمت رغم الخوف والتهديد. كثيرات منهنّ قدمن شهاداتهنّ وهنّ في سن المراهقة، بلا دعم قانوني، وبلا تعاطف عام، وأحياناً ضد رغبة أسر خشيت الانتقام. بعض العائلات وقفت إلى جانب بناتها بقوة نادرة، شجّعتهنّ على الكلام واستعادة كرامتهنّ. هذه الشجاعة ليست تفصيلاً؛ بل هي الأساس الذي قامت عليه كل خطوة نحو العدالة.

وتشير الأبحاث إلى أن رؤية ناجيات أخريات يتحدثن تشجع الضحايا على الإبلاغ، وأن دعم الأسرة يجعل الإفصاح ممكناً، وأن تكريم هذه الشجاعة يمنح الأطفال المحتملين الثقة للدفاع عن أنفسهم. لكن في النقاش العالمي حول إبستين، طغت جاذبية الفضيحة على أصوات هؤلاء، وتمّ تهميش من جعلوا العدالة ممكنة.

وهنا يجب محاسبة الإعلام. فكل وسيلة تتعامل مع استغلال الأطفال كترفيه، أو تقدّم النقرات على الحقيقة، أو تفضّل الفضيحة على الضحايا، تشارك في الخيانة الرابعة. الإعلام الذي يفشل في إبراز من يحمي الأطفال يضعف منظومة العدالة ويعرّض حقوقهم للخطر.

ومن منظور الأمن الإنساني، فإن الاعتراف بشجاعة هؤلاء وحمايتهم ليس رفاهية، بل شرط لسلامة كل طفل. فالناجيات، والصحفية، والمجتمع يشكّلون شبكة مسؤوليات متبادلة؛ وكل اختيار ثقافي لصالح الحقيقة والدعم هو خطوة نحو حماية الأطفال من المعاناة المستقبلية.

إذا أردنا عالماً أكثر أماناً للأطفال، فعلينا إعادة توجيه بوصلة الاهتمام العام. علينا تكريم الصحفية جولي ك. براون التي لاحقت الحقيقة حين تراجعت المؤسسات، والناجيات اللواتي تحدّين الصمت، والعائلات التي وقفت مع أطفالها ضد النفوذ. فالعدالة ليست مساراً قانونياً فقط، بل خياراً ثقافياً. ومصير الطفل التالي سيتوقف على خيارنا: الفضيحة أم من يدافعون عن الضحايا.
أضف تعليقاً على هذا الخبر
ارسل هذا الخبر
تعليق
إرسل الخبر
إطبع الخبر
RSS
حول الخبر إلى وورد

ملخصات تغذية الموقع
جميع حقوق النشر محفوظة 2009 - (صنعاء نيوز)