صنعاء نيوز/ بقلم د. غسان شحرور -
تنويه: يكتب الكاتب هذه النسخة بالعربية استكمالًا لمقاله باللغة الإنجليزية (Where Rights Meet Reality: Palestinian Women in 2026 ) الذي نُشر في منصات دولية حول حقوق النساء والصمود المجتمعي في فلسطين.
يأتي اليوم الدولي للمرأة لعام 2026 محمّلًا بنداءين عالميين: «حقوق. عدالة. عمل. لجميع النساء والفتيات»، و«العطاء من أجل المكاسب». لكن في فلسطين لا تُرفع هذه الشعارات في فضاء احتفالي بقدر ما تُختبر في تفاصيل الحياة اليومية. فالنساء يعشن تقاطعات قاسية من النوع الاجتماعي والاحتلال والتهجير والإعاقة والصدمة المتوارثة. ومع ذلك يواصلن البناء والتعليم والشفاء، ويحفظن تلك المساحات الهشّة التي تُصرّ الحياة على البقاء فيها.
وعلى امتداد عقود من الكتابة عن النساء—في العالم، وفي المنطقة العربية، وفي فلسطين—أدركت أن التمكين ليس لحظة انتصار تُرفع فيها الرايات، بل عملية هادئة وعنيدة تعيد تشكيل المجتمعات من الداخل. ويتجلى هذا المعنى في وجوه كثيرة: جدّة تحفظ ذاكرة العائلة بعد التهجير؛ شابة تدرس على ضوء الشموع في ليالٍ يبتلعها انقطاع الكهرباء؛ وامرأة ذات إعاقة تقتحم الحياة العامة رغم الشوارع غير المهيّأة والمؤسسات المغلقة. تذكّرنا قصصهنّ بمدى اتساع الفجوة بين وعود العالم وواقعه، وبالطريقة التي تواصل بها النساء القيادة حتى حين تتراجع الأنظمة عن مسؤولياتها.
وفي غزة، حيث أصبح البقاء نفسه فعلًا يوميًا من أفعال الصمود، تتجسد هذه الحقيقة بوضوح. ففي أحد مراكز الإيواء المؤقتة في مدينة غزة، واصلت معلمة شابة تنظيم حلقات تعليمية للأطفال النازحين مستخدمة دفاتر قليلة وقطع كرتون كسبورات بديلة. لم يكن ما تفعله مجرد محاولة لمواصلة التعليم، بل فعل حماية اجتماعية ونفسية يعيد للأطفال شعورًا هشًا بالاستمرارية في عالم فقد الكثير من ثوابته. في مثل هذه اللحظات الصامتة، تُعاد صياغة فكرة الصمود بعيدًا عن الشعارات الكبرى.
وترتبط هذه التجارب مباشرة بجوهر اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو)، التي تؤكد أن حقوق النساء ليست أمنيات مؤجلة، بل التزامات قانونية وأخلاقية. ومع ذلك، ما تزال النساء الفلسطينيات يواجهن عوائق قانونية واقتصادية وسياسية عميقة، بينما يتحملن مسؤوليات تتجاوز حدود حياتهن الفردية. لقد أصبح صمودهن، في كثير من الأحيان، أشبه ببنية تحتية اجتماعية غير مرئية تحفظ تماسك الأسر والمجتمعات تحت ضغط لا يُحتمل.
أما النساء الأكبر سنًا—حارسات الذاكرة والاستمرارية—فيحملن أعباء التهجير والفقد، ويواصلن رعاية شبكات عائلية مزّقتها النزاعات. وتعكس حياتهن الالتزامات العالمية بحماية النساء عبر مراحل العمر، وضمان حقهن في الكرامة والمشاركة والظهور. وغالبًا ما يكنّ أول من يواجه العاصفة، وآخر من يُذكر حين يُكتب تاريخ الصمود.
وتواجه النساء ذوات الإعاقة تمييزًا متعدّد الطبقات—من قيود الحركة، إلى الخدمات غير الميسّرة، إلى الوصمة الاجتماعية. ومع ذلك تقود كثيرات مبادرات مجتمعية، ويدافعن عن سياسات شاملة، ويُعدن تعريف المشاركة رغم القيود المفروضة عليهن. وتعكس عزيمتهن مبادئ اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، التي تؤكد الحق في الإدماج الكامل دون تمييز.
وبالنسبة للنساء الفلسطينيات اللواتي يعشن تحت الاحتلال، فإن العدالة لا تنفصل عن الحماية التي تنصّ عليها إعلان الأمم المتحدة للقضاء على العنف ضد المرأة وقرار مجلس الأمن 1325، الذي يعترف بالنساء كفاعلات أساسيات في بناء السلام والمساءلة. ويُظهر دورهن في التعليم والتماسك الاجتماعي وتعزيز صمود المجتمع أن النساء لسن مجرد ضحايا للصراع؛ بل هن ركيزة لأي سلام مستدام.
وتقع هذه الحقائق في صميم أهداف التنمية 2030، ولا سيما الهدف الخامس الذي يربط المساواة بين الجنسين بالعدالة والتنمية والأمن الإنساني. إن تمكين النساء الفلسطينيات—الكبيرات في السن، والمهجّرات، وذوات الإعاقة، واللواتي يعِدن بناء الحياة تحت العنف البنيوي—ليس مسألة محلية فحسب، بل اختبار عالمي لمدى صدق التزام المجتمع الدولي بمبادئه.
لذلك يجب أن يكون اليوم الدولي للمرأة لعام 2026 أكثر من مناسبة رمزية. يجب أن يكون لحظة مساءلة حقيقية: لحظة تُترجم فيها الدول والمؤسسات والحركات خطابها إلى أفعال، بحيث تتمكن كل امرأة—في كل مكان—من أن تعيش بكرامة وأمان وفرص متكافئة.
فحين تكتب النساء تاريخ الصمود اليومي، فإنهن لا يحفظن المجتمع من الانهيار فحسب؛ بل يكتبن أيضًا الملامح الأولى لفلسطين التي لم تولد بعد.
|