صنعاء نيوز/ د. صلاح الصافي -
اندلعت المواجهة في 28 شباط 2026 بعد أن بدأت الولايات المتحدة وإسرائيل في شن ضربات واسعة على مواقع عسكرية ومنشآت داخل إيران، لترد طهران على بإطلاق موجات من الصواريخ والطائرات المسيّرة نحو إسرائيل، إضافة إلى استهدافها قواعد ومصالح أمريكية في عدد من دول المنطقة.
ودخل حزب الله في المواجهة بعد تردد واضح، ويعكس هذا التردد المعضلة التي يواجهها التنظيم بين التزامه تجاه إيران وبين القيود التي يفرضها الواقع اللبناني، فالحزب يواجه ضغوطًا عسكرية نتيجة الضربات الإسرائيلية وضغوطًا سياسية داخلية تدعو إلى تجنب حرب واسعة، لكن الحزب يعتبرها حرب وجود وأن إسرائيل لا عهد لها ولا تلتزم بأي اتفاق حيث كانت الخروقات الإسرائيلية بعد اتفاق وقف اطلاق النار يكاد يكون يومي وخسر الحزب ما يقرب من (500) شهيد، لذلك دخل الحرب وسوف يستمر بقوة حتى النهاية.
وهذه الحرب المشتركة بين الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران وضعت الرئيس الأميركي دونالد ترامب أمام معادلة صعبة بين تحقيق إنجاز عسكري سريع يمكن تقديمه كنصر سياسي وبين تجنب الانزلاق إلى حرب طويلة مكلفة اقتصادياً وسياسياً ويتوقف قرار واشنطن بشأن استمرار الحرب أو وقفها على مجموعة من العوامل، أبرزها نتائج الضربات العسكرية ومدى تدمير القدرات الإيرانية، حجم الخسائر الأميركية، التأثيرات الاقتصادية العالمية خاصة بعد تعطّل الملاحة في مضيق هرمز، إضافة إلى ضغوط دول الخليج واستنزاف الذخائر الدقيقة والجدل السياسي داخل الولايات المتحدة.
ويعين ذلك أن الحرب الحالية ليست مجرد مواجهة بني جيشين، بل هي صراع متعدد الجبهات تمتدد من الخليج العربي إلى شرق البحر المتوسط، ومن الفضاء السيبراني إلى أسواق الطاقة العالمية، وقد أدى هذا التداخل في مسارح العمليات إلى تعقيد حسابات جميع الأطراف، إذ أصبح أي تصعيد محدود يحمل في طياته خطر الانزلاق إلى مواجهة إقليمية واسعة يصعب احتواؤها.
هناك تبايناً واسعاً في توقعات مستقبل هذا الصراع، نرى أن استمرار الوضع الحالي على ما هو عليه من (حرب ساخنة غير حاسمة) هو السيناريو الأكثر ترجيحاً، حيث لا ترغب الولايات المتحدة أو إسرائيل في دفع الثمن الباهظ لغزو إيران أو شن حملة جوية مطولة قد تغلق مضيق هرمز وتشعل أسعار النفط، وهذا الضغط الأكبر على الولايات المتحدة، بينما إيران تراهن على طول مدة الحرب، وعليه حتى تصعيدها بحسبان، وبهذا سيتجه الطرفان نحو إدارة الصراع بدلاً من حله، مع استمرار العمليات دون عتبة الحرب الشاملة.
إن المآلات المستقبلية لهذه الحرب لن تقتصر على حدود الشرق الأوسط، بل قد تمتد آثارها إلى النظام الدولي بأسره، فإذا نجحت الولايات المتحدة في تحقيق أهدافها الاستراتيجية، فقد يعزز ذلك من قدرتها على إعادة تثبيت نفوذها في المنطقة، أما إذا استطاعت إيران الصمود وإفشال هذه الاستراتيجية، فقد يشكل ذلك نقطة تحول مهمة في توازنات القوة الدولية ويعزز الاتجاه نحو نظام عالمي أكثر تعددية، وفي جميع الأحوال، فإن الحرب الحالية تكشف بوضوح أن الشرق الأوسط ما يزال يمثل أحد أهم مسارح التنافس الجيوسياسي في العامل، وإن أي صراع كبير في هذه المنطقة يملك القدرة على إعادة تشكيل ملامح النظام الدولي في القرن الحادي والعشرين، لأن إسرائيل تعتبرها لحظة حاسمة لتحقيق حلم إسرائيل العظمى وعدم تحقيق الهدف الإسرائيلي يعني انكفائها وضياع مشروع الشرق الأوسط الجديد.
ولذلك فإن أياً كانت نتائج هذه الحرب سوف تترك آثاراً عميقة وطويلة المدى على طبيعة النظام الإقليمي في الشرق الأوسط وعلى شكل النظام الدولي في العقود القادمة. |