shopify site analytics
عاصفة من التصعيد: هجمات تطال "تل أبيب" وقواعد أمريكية في الخليج - الحرب تتصاعد وأزمة الطاقة الأسوأ منذ عقود - عرفتهم: صبحي غندور: صوتُ الحوار الذي ما زال صداه يتردّد - قراءة تحليلية في حصاد عام من الصمود وآفاق سيادة الشعب - دولة تنهار وأخرى تتقهقر - محافظ شبوة: اليوم الوطني للصمود ملحمة وطنية صاغتها تضحيات الشعب اليمني - إجتماع برئاسة الرصاص لمناقشة الاستعداد والتحضير ات لإقامة الدورات الصيفية بمدينة البي - مسؤول التعبئة العامة بمحافظة ذمار وقيادات تنفيذية يتفقدون أحوال المرابطين في الجبهات - البدء لاستقبال الالتحاق بالدورة الصيفية في المدرسة الشمسية للعلوم الشرعية بذمار - النشرة المسائية لوسائل الإعلام العبري لنهار الثلاثاء الموافق  24 فبراير 2026  -
ابحث عن:



صنعاء نيوز - بقلم د. غسّان شحرور

الخميس, 26-مارس-2026
صنعاء نيوز/ بقلم د. غسّان شحرور -

حين ودّعت الجالية العربية‑الأميركية في واشنطن العاصمة صبحي غندور في 20 تشرين الأول/أكتوبر 2023، لم تودّع كاتبًا أو محللًا سياسيًا فحسب، بل فقدت صوتًا ثابتًا كرّس حياته لفنّ الحوار؛ ذلك الفنّ الذي يزداد ندرة في زمنٍ يعلو فيه الضجيج على الفهم، والانفعال على التفكير. لأكثر من ثلاثة عقود، بنى غندور واحدًا من أطول المشاريع الفكرية عمرًا في الولايات المتحدة بين العرب.

عام 1989 أسّس مجلة الحوار، منبرًا يقدّم النقاش الرصين على ردود الفعل، والتأمل على الخطابة. وبعد سنوات قليلة، أنشأ مركز الحوار العربي الذي تحوّل، على مدى نحو ثلاثين عامًا، إلى مساحة فكرية نابضة استقبلت مفكرين وباحثين وقيادات مجتمعية. في قاعة متواضعة بضواحي واشنطن، احتضن المركز عشرات الندوات التي واجهت قضايا شائكة: فلسطين، الهوية، الاندماج، الحرية، ومسؤولية الصوت في حياة المهاجرين.

أمسية لا تُنسى

التقيت صبحي لأول مرة قبل نحو عشرين عامًا في إحدى تلك الأمسيات. كانت القاعة بسيطة: إضاءة خافتة، مقاعد بلاستيكية مرتّبة في دائرة، وحضور متنوع لا يجمعه سوى شغف النقاش. كان موضوع الليلة: الإعلام العربي والانحياز الغربي. سرعان ما احتدم النقاش وارتفعت الأصوات. جلس صبحي في الوسط، صامتًا، يضع يده قرب ذقنه، يصغي أكثر مما يتكلم.

وحين تكلّم، لم يكن ليُسكت الجدل، بل ليُعمّقه. أعاد صياغة الأسئلة، منح المساحة لمن لم يتحدث، وذكّر الجميع بأن الخلاف، حين يُدار بكرامة، يمكن أن يكون شكلًا من أشكال الوحدة.

في تلك الليلة أدركت سرّ فرادته: لم يكن هدفه الانتصار في النقاش، بل حماية المساحة التي تجعل النقاش ممكنًا.

أخلاقيات الحوار

الحوار، في جوهره، ليس تبادل آراء فحسب، بل ممارسة أخلاقية تتطلب صبرًا وتواضعًا ورغبة صادقة في الفهم لا في الغلبة. وقد جسّد صبحي هذا المبدأ فكريًا وعمليًا. كان يؤمن أن الإصغاء لا يناقض القناعة، وأن النقد يمكن أن يكون حازمًا دون أن يكون جارحًا.

وكثيرًا ما أقول:

“في الحوار الجاد، الأولوية هي التمييز بين الصواب والخطأ، لا بين من هو على صواب ومن هو على خطأ.”

فحين يتحوّل النقاش إلى صراع هويات بدل بحث عن حقيقة، يفقد بوصلته الأخلاقية.

تُدرّس دول كثيرة اليوم مهارات الحوار ضمن التربية المدنية، لا كمهارة لغوية بل كقيمة اجتماعية. أما في عالمنا العربي، فما زال هذا التعليم في بداياته، وما زال تعلّم الإصغاء والاختلاف والتعايش داخل التنوع يحتاج إلى جهد واعٍ. وقد قدّم صبحي، بسيرته، منهجًا حيًا لهذه القيمة.

إرثٌ لا يشبه غيره

سواء اتفق المرء مع صبحي غندور أو اختلف، يبقى عطاؤه مميزًا. فقد أثبت ما يمكن أن يقدّمه المجتمع المدني حين يستند إلى المبدأ لا إلى الولاء. لم تكن مجلة الحوار ولا مركز الحوار مدعومين من مؤسسات كبرى أو تيارات سياسية، بل من الثقة والنزاهة الفكرية. شارك في منابرها كتّاب ودبلوماسيون وناشطون وطلاب، لأنهم رأوا في الحوار مسؤولية لا استعراضًا.

ومن خلال اللقاءات المباشرة ثم البرامج الإلكترونية، ربط بين مجتمعات متباعدة جغرافيًا لكنها متقاربة في هموم العدالة والديمقراطية والهوية. وقد وصفت مؤسسة القدس (Jerusalem Fund) مركز الحوار بأنه “مؤسسة حيوية تحدّت السرديات المنحازة وأبرزت الأصوات العربية المهمّشة”. وهو وصف يلخّص حجم الفراغ الذي خلّفه رحيله.

صمتٌ أثقل من الغياب

بعد رحيله، توقفت أنشطة مركز الحوار العربي. وصمته اليوم ليس إداريًا فحسب، بل رمزيًا. فغياب المساحات التي تُدار فيها الخلافات باحترام يترك المجتمع أكثر هشاشة. ومع اختفاء هذه المنابر، يزداد الاستقطاب، ويعلو الصوت بينما يضعف المعنى.

نعيش زمنًا يكافئ السرعة على التفكير، والضجيج على العمق. وقد حذّر صبحي من هذا الانزلاق قبل أن تُسرّعه وسائل التواصل. كان يرى أن الحوار المتأني ليس ترفًا في أوقات الاستقرار، بل ضرورة في أزمنة الانقسام. فالتواصل بلا أخلاق يمكن أن يتحول إلى شكل آخر من العنف.

المسؤولية التي أمامنا

إن استذكار صبحي غندور لا يكتمل بالرثاء، بل بإحياء المساحات التي بناها: منابر تستقبل التعدد، وتصون كرامة الاختلاف، وترفض اختزال الهويات في شعارات.

في آخر حديث بيننا، تحدّث عن ضرورة “مأسسة” عمل الحوار لضمان استمراره بعد الأفراد. قال مبتسمًا:

“لا ينبغي لأي حوار أن يعتمد على صوت واحد.”

واليوم تبدو كلماته أكثر صدقًا. فاستمرار هذه المبادرات يحتاج إلى جهد جماعي من كل من يؤمن بأن الإصغاء قيمة لا تقل عن الكلام.

إن أفضل تكريم له هو أن نواصل ما بدأه. أن نعيد بناء فضاءات يلتقي فيها المختلفون دون خوف، ويبحثون عن الحقيقة بدل تبادل الاتهامات.

فعندما تخفت أصوات مثل صوته، لا يبقى الفراغ وحده، بل يبقى الامتحان: هل نملك الشجاعة لإعادة بناء ما كان يصنعه كل يوم؟

لقد عاش الحوار كفعل يومي من الشجاعة والفضول والاحترام.

وإن غاب صوته، فإن صدى مثاله ما زال يدعونا إلى أن نصغي، وأن نتحاور، وأن نبقي إنسانيتنا في قلب كل نقاش.

عن هذه الزاوية

*“عرفتُهم” زاوية يكتب فيها د. غسّان شحرور عن شخصيات تركت أثرًا عميقًا في زمنها، بهدوء وفاعلية، وبما يتجاوز حدود سيرتها الفردية.
أضف تعليقاً على هذا الخبر
ارسل هذا الخبر
تعليق
إرسل الخبر
إطبع الخبر
RSS
حول الخبر إلى وورد

ملخصات تغذية الموقع
جميع حقوق النشر محفوظة 2009 - (صنعاء نيوز)