صنعاء نيوز/ إيهاب مقبل -
في المشهد الإقليمي المعقد في المنطقة العربية والإيرانية وشرق المتوسط، لم تعد الأحداث تُصاغ في الميدان فقط، بل في الإعلام أيضًا الذي يعيد إنتاجها بصور مختلفة وفقًا للزاوية السياسية والأيديولوجية. وفي هذا السياق، يبرز العراق كأحد أهم ميادين هذا التباين في السرديات، حيث يُقدَّم في الإعلام العبري كـ"ساحة تهديد" متقدمة ضد تل أبيب وواشنطن، بينما يُعرض في الإعلام الفارسي المحسوب على محور المقاومة كساحة "واجب شرعي وأخلاقي" ضمن منظومة الردع الإقليمي. هذا الاختلاف لا يعكس مجرد تباين في الرأي، بل صراعًا أعمق حول تعريف القوة، والشرعية، ودور الفاعلين في المنطقة.
تحت الرادار: الجبهة العراقية التي تهدد إسرائيل والولايات المتحدة، قناة 14 العبرية
بينما تتجه الأنظار نحو إيران ولبنان، تنشط في العراق "ميليشيات شيعية" حولت البلاد إلى منصة لإطلاق الطائرات المسيّرة والصواريخ. ويشرح خبراء كيف سيطرت التنظيمات الموالية لإيران على الأجندة في بغداد وتدفع المنطقة نحو تصعيد أوسع.
تستمر الحرب في الشرق الأوسط بالتصعيد، لكن بعيدًا عن التركيز الإعلامي التقليدي، تظهر جبهة نشطة في العراق تعمل فيها ميليشيات شيعية ضد الولايات المتحدة وإسرائيل.
وتتصدّر هذه الجبهة الميليشيات الشيعية التي تُعد قوة رئيسية على الأرض، والتي بحسب باحثين، بعضها قديم وبعضها تشكل بعد عام 2003، ومعظمها مرتبط بإيران ويعمل ضمن ما يُعرف بـ"الوكلاء".
وتُستخدم الأراضي العراقية كمنصة لإطلاق المسيّرات والصواريخ نحو أهداف إقليمية، تشمل القوات الأمريكية وأطرافًا في المنطقة، مع إدراج إسرائيل ضمن قائمة الأهداف، وإن كان بدرجة أقل نسبيًا.
كما يشير التقرير إلى نشاط سياسي وعسكري متداخل، حيث تتحرك هذه الفصائل ضمن بيئة تعكس ضعف الدولة العراقية وعدم قدرتها على ضبط السلاح داخل أراضيها.
النجباء: الدفاع عن إيران واجب شرعي وأخلاقي للمقاومة الإسلامية في العراق، وكالة دفاع برس الفارسية
أكد علي الأسدي، رئيس المجلس السياسي لحركة النجباء، أن قوات الحشد الشعبي تمتلك القدرة على مواجهة الهجمات الأمريكية، خصوصًا الطائرات المسيّرة، رغم محدوديتها أمام الطائرات المتقدمة.
وأوضح أن هذه القوات تواجه قيودًا من الطبقة السياسية في العراق، وأنها التزمت سابقًا بوقف العمليات لإعطاء الحكومة فرصة، لكنها لم تتلق استجابة فعالة.
وأشار إلى أن إيران لم تطلب دعمًا من الفصائل العراقية ولن تفعل، لأنها قادرة على مواجهة التحديات بنفسها، مؤكدًا أن دور الفصائل هو واجب شرعي وأخلاقي ضمن سياق المقاومة.
كما انتقد غياب دور الحكومة العراقية في التسليح والدفاع الجوي، معتبرًا أن ذلك يترك فراغًا أمنيًا.
وختم بالإشارة إلى أن هذه القوى ترى أن تحركاتها تستند إلى شرعية دينية وتجارب تاريخية سابقة في المواجهة.
العراق بين سرديتين: تهديد في تل أبيب وواجب في طهران
يكشف الجمع بين الخبرين عن صورة واحدة تُعاد صياغتها بطريقتين متناقضتين. فالعراق، الذي يظهر في الإعلام العبري كساحة تهديد عسكري نشطة ضد تل أبيب وواشنطن، يظهر في الإعلام الفارسي كساحة واجب مقاوم تتحرك فيها الفصائل ضمن إطار ديني وأخلاقي مرتبط بإيران ومحور المقاومة.
في السردية الإسرائيلية، يتم التركيز على البعد الأمني والعسكري، حيث تُقدَّم الفصائل العراقية كأدوات ضمن شبكة إيرانية أوسع، تُستخدم لإطلاق الطائرات المسيّرة والصواريخ، مع التأكيد على أن ضعف الدولة العراقية يسمح بتحول أراضيها إلى منصة تهديد إقليمي. العراق هنا لا يظهر كفاعل مستقل، بل كساحة مفتوحة في صراع إقليمي متعدد الجبهات.
أما في السردية الفارسية المقاومة، فالصورة مختلفة جذريًا، إذ تُقدَّم هذه الفصائل بوصفها جزءًا من منظومة ردع مشروعة، نشأت في بيئة أمنية مضطربة لمواجهة تهديدات حقيقية، وعلى رأسها الانهيار الأمني بعد 2003. هنا لا يُنظر إلى النشاط العسكري كتهديد، بل كجزء من واجب شرعي وأخلاقي لحماية المنطقة ضمن معادلة توازن ردع أوسع.
إيران ومحور المقاومة: شبكة ردع لا مركزية
أحد أهم عناصر تصريحات الأسدي هو التأكيد أن إيران لا تطلب دعمًا مباشرًا من الفصائل العراقية. هذه النقطة تعكس طبيعة العلاقة داخل محور المقاومة، الذي لا يعمل كنظام قيادة مركزية، بل كشبكة من الفاعلين المتحالفين الذين يجمعهم هدف مشترك يتمثل في مواجهة مشاريع الهيمنة الإقليمية.
في هذا الإطار، يصبح العراق حلقة أساسية في منظومة الردع الإقليمي، وليس مجرد ساحة نفوذ. فوجود قوى مقاومة فيه يساهم في خلق توازن يمنع الاحتكار العسكري والسياسي في المنطقة.
إعادة تعريف "التهديد" و"الشرعية"
الاختلاف بين الخطابين لا يكمن فقط في اللغة، بل في المفاهيم نفسها. فما يُصوَّر في الإعلام العبري كـ"تهديد" يُعاد تعريفه في خطاب المقاومة كـ"قدرة ردع". وما يُقدَّم كـ"نشاط ميليشياوي" يُنظر إليه كـ"قوة مقاومة شرعية".
هذا التباين يعكس صراعًا أعمق على من يملك حق تعريف الشرعية في استخدام القوة داخل الإقليم: هل هي حكراً على الدول الكبرى وحلفائها، أم حقًا مشروعًا لقوى محلية وإقليمية تسعى إلى حماية أمنها في بيئة غير متوازنة؟
العراق كساحة إعادة تشكيل التوازن الإقليمي
عند الجمع بين السرديتين، يتضح أن العراق لم يعد مجرد دولة ضمن معادلة غرب آسيا، بل أصبح مساحة تتقاطع فيها مشاريع إقليمية متنافسة. فالإعلام العبري يستخدمه لتوسيع مفهوم التهديد، بينما يستخدمه الإعلام القريب من محور المقاومة لتوسيع مفهوم الردع والواجب.
وبين هذين الإطارين، تتشكل صورة دولة تلعب دورًا مركزيًا في إعادة رسم توازن القوى في المنطقة، سواء من خلال موقعها الجغرافي أو من خلال القوى الفاعلة على أرضها.
الحشد الشعبي والفصائل: من فراغ الدولة إلى معادلة الاستقرار
تصريحات علي الأسدي تبرز بوضوح إشكالية العلاقة بين الدولة العراقية والفصائل المسلحة. فالحديث عن "قيود سياسية" وغياب قدرات التسليح والدفاع الجوي يعكس، من منظور هذه الفصائل، عجز الدولة عن أداء دورها الأمني الكامل. وفي هذا السياق، يظهر الحشد الشعبي ليس كبديل للدولة، بل كقوة نشأت في لحظة انهيار خطير هدد بقاء العراق نفسه.
ومن هذا المنظور، لا يمكن فصل وجود هذه القوى عن التجارب الأمنية المعقدة التي مرّ بها العراق وما رافقها من فراغ أمني كبير. لذلك تُقدَّم الفصائل كعامل استقرار نسبي، يسعى إلى تحقيق توازن بين التهديدات الخارجية والداخلية، بدلًا من تصويرها كعنصر زعزعة كما يروّج له الخطاب المعادي.
خاتمة: حرب السرديات قبل حرب الجبهات
في نهاية المطاف، لا يدور الصراع فقط حول ما يحدث في العراق، بل حول كيفية تفسيره. فبين "ساحة تهديد" في الإعلام العبري و"ساحة واجب" في الإعلام الفارسي، يتشكل وعي سياسي متباين يعكس طبيعة الصراع الإقليمي الأوسع.
وهكذا، يصبح العراق ليس مجرد ساحة عمليات، بل ساحة سرديات متنافسة، حيث لا تُحسم المعركة فقط بالسلاح، بل أيضًا بالكلمات التي تُعرّف معنى هذا السلاح ومشروعيته.
المراجع
تحت الرادار: الجبهة العراقية التي تهدد إسرائيل والولايات المتحدة، قناة 14 العبرية، 2 أبريل نيسان 2026
https://www.c14.co.il/article/1514460
النجباء: الدفاع عن إيران واجب شرعي وأخلاقي للمقاومة الإسلامية في العراق، وكالة دفاع برس الفارسية، 2 أبريل نيسان 2026
https://defapress.ir/fa/news/824154/%D9%86%D8%AC%D8%A8%D8%A7%D8%A1-%D8%AF%D9%81%D8%A7%D8%B9-%D8%A7%D8%B2-%D8%A7%DB%8C%D8%B1%D8%A7%D9%86-%D9%88%D8%B8%DB%8C%D9%81%D9%87-%D8%B4%D8%B1%D8%B9%DB%8C-%D9%88-%D8%A7%D8%AE%D9%84%D8%A7%D9%82%DB%8C-%D9%85%D9%82%D8%A7%D9%88%D9%85%D8%AA-%D8%A7%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%DB%8C-%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82-%D8%A7%D8%B3%D8%AA
انتهى |