صنعاء نيوز/ عبدالناصر المودع -
هدد الرئيس ترامب بتدمير منشآت إيران الحيوية، والتي تشمل منشآت الطاقة وإنتاج النفط والغاز والمطارات والموانئ والجسور، إذا لم تستجب لشروطه في إنهاء الحرب. في المقابل، هددت إيران بأنها ستدمّر المنشآت الحيوية في دول الخليج وإسرائيل.
وحدوث هذا السيناريو هو أشبه بيوم قيامة للمنطقة، ففي حال تحققه فأنه سيخلّف أضرارًا سياسية واقتصادية كبيرة على الجميع، غير إن هذه الأضرار لن تتوزع بالتساوي. إذ من المرجح أن تكون إيران، دولةً ونظامًا، هي الخاسر الأكبر من تحقق هذا السيناريو. وعليه فإن المنطق السياسي يقتضي من النظام الإيراني العمل على منع حدوث هذا السيناريو عبر القبول بالشروط الأمريكية اﻵن، والتي تمثل نصف هزيمة بدلًا من القبول بهزيمة كاملة في المستقبل، بعد وقوع أضرار هائلة متوقعة.
والأضرار التي نتحدث عنها ليست اقتصادية فقط، بل هي أيضًا أضرار سياسية، إن لم تكن آنية فستكون بلا شك متوسطة وبعيدة المدى.
من الناحية الفنية البحتة، تمتلك إسرائيل والولايات المتحدة القدرة والوسائل لضرب معظم المنشآت الحيوية الإيرانية وتعطيلها جزئيًا أو كليًا، لفترة مؤقتة أو حتى بشكل دائم. فمنذ بداية الحرب وحتى الآن، تصل الطائرات الأمريكية والإسرائيلية، وكذلك الصواريخ، إلى مختلف الأهداف المراد ضربها، بما في ذلك مراكز القيادة السياسية والعسكرية. في المقابل، حققت الهجمات الإيرانية على إسرائيل ودول الخليج والأردن نتائج محدودة مقارنة بالخسائر الإيرانية، نظرًا لوجود دفاعات قادرة على إسقاط الصواريخ والطائرات المسيّرة، وهي الوسائل الرئيسية المتاحة لإيران. وحتى الآن، لم تتعطل منشآت ضخمة، وإن كان من المحتمل أن تحدث أضرار كبيرة بدرجات متفاوتة في حال تحقق هذا السيناريو.
وسيكون المتضرر الأول من ذلك، الدول القريبة من إيران، مثل الكويت، التي تقع في مرمى الصواريخ قصيرة المدى والطائرات المسيّرة التي تُطلق من إيران، وربما من العراق، إلى جانب قطر والبحرين والإمارات وشرق السعودية، حيث من المحتمل أن تكثّف إيران هجماتها على المراكز الحيوية في هذه الدول.
وبالنظر إلى موازين القوة على الأرض، قد تخسر إيران أكثر من نصف منشآتها الحيوية، بما يشمل محطات الكهرباء، ومصانع البتروكيماويات، ومصافي النفط، ومنشآت إنتاج الغاز والنفط، والمطارات والموانئ والجسور، إذا استمرت الحملة لأسابيع. في المقابل، قد تخسر دول الخليج ومناطق شرق السعودية ما بين 20% إلى 30% من منشآتها الحيوية في اسوأ الحالات.
ولا تُقاس الخسائر هنا بالأضرار الاقتصادية فقط، بل بالأضرار الاستراتيجية والسياسية على الأنظمة. ففي إسرائيل، توجد أغلبية تفوق 90% من اليهود مؤيدة للضربة، ولن تحمل حكومتها مسؤولية، الخسائر في البنية التحتية أو حتى البشرية، ومن ثم لن تكون لها أضرار سياسية مباشرة على حكومة إسرائيل. وحتى لو حدث ذلك، فهذا أمر طبيعي في دولة ديمقراطية، حيث إن تغيّير الحكومات لا يمثل مشكلة. وينطبق الأمر نفسه على الرئيس الأمريكي ترامب، الذي قد يخسر الأغلبية الجمهورية في الانتخابات النصفية للكونغرس في الخريف القادم، نتيجة الآثار الناجمة عن الحرب، وهذا لا يشكل مشكلة لأمريكا كدولة ونظام سياسي.
أما الأنظمة الحاكمة في دول الخليج، فإن الأضرار السياسية عليها محدودة جدًا، وقد تكون معدومة؛ فمواطني هذه الدول، باستثناء جزء من الأقليات الشيعية، يرون أن إيران دولة معتدية، ولا يحملون حكوماتهم مسؤولية هذه الحرب. وعليه، لا توجد مخاطر سياسية تُذكر نتيجة تدمير المنشآت الحيوية في هذه الدول. ويُستثنى من ذلك البحرين، حيث توجد كتلة شيعية كبيرة يُقدّرها البعض بالأغلبية، ويتعاطف جزء منها مع إيران، وقد يشكّل ذلك تحديًا سياسيًا. إلا أن هذا الخطر يمكن احتواؤه من قبل السلطات البحرينية بدعم خليجي، وتحديدًا سعودي، إضافة إلى الوجود الأمريكي والبريطاني في الجزيرة.
وكل ذلك يعني أن المخاطر السياسية على الدول التي قد تستهدفها إيران تبقى محدودة جدًا، مقارنة بالمخاطر السياسية العالية التي سيواجهها النظام الإيراني.
فهذا النظام، كما هو معروف، مرفوض من قبل نسبة كبيرة من الطبقة الوسطى المتعلمة وسكان المدن الكبرى، وهي طبقة فاعلة قد تطيح بالنظام أو تجبره على إجراء تغييرات جذرية على المدى المتوسط والبعيد. فهذه الفئات غير مقتنعة بإيديولوجية النظام ولا بسلوكه المارق الذي أدى إلى عزلة دولية وعقوبات اقتصادية قاسية، تحملت هذه الطبقة العبء الأكبر منها، وهو ما يجعلها تتحين الفرصة للخلاص منه.
وهذا يعني أن تدمير المنشآت الحيوية، وما يترتب عليه من تدهور في الأوضاع المعيشية — التي كانت سيئة قبل الحرب وستزداد سوءًا بعدها — سيحمل مخاطر سياسية كبيرة على النظام. وحتى إن لم يؤدِّ ذلك إلى سقوطه الفوري كما يتمنى الإسرائيليون، وإلى حد ما بعض دول الخليج والولايات المتحدة، فإنه قد يقود، على المدى المتوسط والبعيد، إلى انهياره، إما عبر تغييرات داخلية أو من خلال ثورات واسعة تُحدث تغييرات جذرية في الأيديولوجيا والسلوك.
أما على المستوى الاقتصادي، فإن إيران تعاني أصلًا من أزمات حادة نتيجة العقوبات والفساد وسوء السياسات، ما يجعل قدرتها على تحمل تبعات تدمير جزء كبير من منشآتها الحيوية وإعادة بنائها محدودة، مقارنة بدول الخليج.
فدول الخليج تمتلك مجتمعة تريليونات الدولارات من الثروات السيادية، واحتياطيات ضخمة من النفط والغاز، وبنية تحتية قوية، ما يمنحها القدرة على امتصاص الصدمة الاقتصادية وإعادة الإعمار. وينطبق ذلك أيضًا على إسرائيل، التي لا يُتوقع أن تتضرر منشآتها الحيوية بنفس الدرجة.
وهذا يعني أن الأوضاع المعيشية في دول الخليج لن تتدهور بشكل حاد كما قد يحدث في إيران. كما أن هذه الدول قادرة، في حال حدوث نقص كبير في الخدمات الأساسية مثل الكهرباء والمياه، على نقل جزء من سكانها مؤقتًا إلى مناطق أكثر أمانًا داخل السعودية أو إلى دول مثل الأردن ومصر وتركيا وغيرها من الدول، إلى حين استعادة الاستقرار وإعادة الإعمار.
إن أخطر ما في هذا السيناريو هو احتمال تحوله إلى "يوم قيامة" حقيقي، إذا استخدمت إيران أسلحة دمار شامل، مثل الأسلحة البيولوجية أو الكيميائية، أو سعت إلى تصنيع سلاح نووي واستخدامه ضد إسرائيل أو غيرها. ففي حال حدوث ذلك، قد يستدعي ردًا أمريكيًا-إسرائيليًا باستخدام أسلحة نووية تكتيكية، أو حتى أكثر من ذلك، وهو ما قد يؤدي إلى تدمير واسع النطاق داخل إيران، وفي المنطقة عموماً.
في المجمل، تمتلك إيران القدرة على تفادي هذا السيناريو إذا قررت "تجرّع السم"، كما فعل الخميني عندما قبل بوقف الحرب العراقية-الإيرانية. ومسؤولية إيران هنا لا تنبع فقط من طبيعة نظامها المارق الذي أوصل الأمور إلى هذه الحالة فقط، بل من كونها الطرف الأكثر تضررًا من تحقق هذا السيناريو، في حين أن أضرار دول الخليج وإسرائيل، خصوصًا السياسية، ستكون أقل بكثير.
|