صنعاء نيوز/ عبد الواحد البحري - صنعاء نيوز | خاص
في زمن المحركات النفاثة والذكاء الاصطناعي، اختار الرحالة اليمني منير الدهمي أن يكسر منطق السرعة، ليعيد إحياء تراث الأجداد في مغامرة أسطورية بدأت فصولها عام 2013. الدهمي، الذي لا رفيق له سوى "جمله"، نجح في قطع مسافات تعادل نصف الكرة الأرضية تقريبًا، مجسدًا بصبره اليمني المعهود واحدة من أضخم الرحلات المعاصرة وأكثرها تحديًا.
عقد من الزمن.. من أدغال أفريقيا إلى تخوم أوروبا
بدأت رحلة الدهمي قبل أكثر من عشر سنوات، حين انطلق في مسار شاق عبر خلاله القارة الأفريقية بالكامل، من مصر شمالًا وصولًا إلى أقصى دول الجنوب الأفريقي. لم يكتفِ بذلك، بل عاد ليجوب صحاري الجزيرة العربية وبلاد الشام، وتشير بوصلته الحالية نحو القارة الأوروبية، متمسكًا بعهده الذي قطعه على نفسه: لا سيارات ولا طائرات، فقط خطى الجمال هي التي ترسم خارطة طريقه.
إعجاز بشري بعيد عن "أضواء الشهرة"
رغم ضخامة الإنجاز الذي يضعه في مصاف كبار الرحالة التاريخيين، يعيش الدهمي حالة من "العزلة الرقمية" الاختيارية؛ فهو يغيب عن صخب منصات التواصل الاجتماعي التي كان بإمكانها أن تجعل منه "ترند" عالمي يتصدر مئات الملايين من المشاهدات. هذا الغياب حرم العالم من توثيق حي لحظة بلحظة لإعجاز بشري يتجاوز ما يقدمه مشاهير السفر المعاصرون.
عتب إعلامي.. إنجاز أسطوري في ظل تجاهل رسمي
تتصاعد في الأوساط الثقافية والإعلامية اليمنية نبرة عتب واسعة جراء غياب الاحتفاء الرسمي والشعبي اللائق بهذا الإنجاز. فبينما يمثل الدهمي الإرادة اليمنية الصلبة في مواجهة المخاطر الجغرافية واللوجستية، يظل يسير بصمت في أدغال وصحاري العالم، محققًا بـ "بعيره" ما عجزت عنه أحدث المحركات، دون أن ينال حقه من التغطية التي تليق بسفير لليمن يطوف الأرض على طريقته الخاصة.
مفارقة مؤلمة: محتوى "التهريج" يتصدر والدهمي يصارع وحيداً
من المثير للحزن أن نجد رحالة بحجم منير الدهمي، الذي يحمل روحه على كفه ليوثق جمال الأرض وتفاصيل المغامرة الحقيقية، لا يجد الصدى الذي يستحقه. ففي الوقت الذي تتسابق فيه الملايين لمتابعة محتويات توصف بـ "الفارغة" ولا تقدم سوى الضجيج، لا تتجاوز صفحته الرسمية على "فيسبوك" حاجز المئة ألف متابع، في مفارقة تعكس خللاً في معايير الاهتمام بمبدعي اليمن ومغامريها الحقيقيين.
يظل منير الدهمي اليوم عنواناً للصمود اليمني، يطوي الأرض فرسخاً بعد فرسخ، ليثبت أن الإنسان قادر على قهر المستحيل، حتى ولو كان الوسيلة "ناقة" والزاد هو "الإيمان بالهدف". |