صنعاء نيوز/ بقلم د غسان شحرور -
يوم التمريض العالمي 2026
آفاق جديدة لمهنة «حاملة المصباح»
منذ أن حملت فلورنس نايتينجيل مصباحها في ساحات رعاية الجرحى خلال حرب القرم، لم تكن تعلم أن ذلك الضوء الخافت سيغدو رمزاً عالمياً لمهنة أعادت تشكيل مفهوم الرعاية الصحية. واليوم، وبعد أكثر من قرن ونصف، يواصل العالم الاحتفاء في الثاني عشر من مايو/أيار بـ«يوم التمريض العالمي»، مستلهماً من إرث «السيدة حاملة المصباح» قيم الانضباط والرحمة والالتزام الإنساني.
ويأتي احتفال هذا العام تحت شعار:
Empowered Nurses Save Lives – الممرضات والممرضون المُمكَّنون ينقذون الأرواح،
وهو شعار يجسد تحولاً عميقاً في فهم دور التمريض بوصفه ركيزة في القيادة الصحية، وسلامة المرضى، وجودة الرعاية، لا مجرد دور مساند داخل المنظومات الصحية.
التمكين… حجر الأساس في مستقبل المهنة
لم يعد تمكين الكوادر التمريضية مسألة تدريب فحسب، بل أصبح منظومة متكاملة تقوم على التعليم المتقدم، وتوسيع الصلاحيات المهنية، وتهيئة بيئات عمل آمنة، وإشراك الممرضات والممرضين في صناعة القرار الصحي. وقد أثبتت التجارب الدولية أن الأنظمة التي تمنح التمريض أدواراً قيادية تحقق نتائج أفضل في خفض معدلات الوفيات، وتعزيز سلامة المرضى، وتحسين جودة الرعاية، إلى جانب كفاءة أعلى في التكاليف.
وقد أعادت جائحة كوفيد-19 إبراز صورة الممرضات والممرضين في خطوط المواجهة، يعملون في ظروف بالغة القسوة، في مشهد أكد أن التمريض ليس ممارسة تقنية فقط، بل رسالة إنسانية تستند إلى المعرفة والصبر والرحمة، ولا يغيب عنا الدور الكبير للعاملين في التمريض وباقي القطاع الصحي في تعزيز تماسك وصمود الشعب الفلسطيني في مواجهة الحرب المدمرة لاسيما في غزة ولبنان .
تحولات حديثة تعيد رسم المشهد التمريضي
1. التمريض الرقمي
أصبحت التكنولوجيا جزءاً عضوياً من الممارسة التمريضية اليومية، مع توسع مجالات مثل مراقبة المرضى عن بُعد، والتمريض الافتراضي، وتحليل البيانات السريرية، واستخدام الذكاء الاصطناعي في دعم القرار. وبذلك، غدا التمريض شريكاً فاعلاً في إدارة المعرفة الصحية وصنع القرار السريري.
2. التمريض في الكوارث والأزمات
من الجوائح إلى النزاعات والكوارث الطبيعية، يبرز التمريض بوصفه خط الدفاع الأول. وقد انعكس ذلك في توسع برامج التدريب لتشمل إدارة الكوارث، والرعاية في بيئات النزاع، وتقديم الدعم النفسي في حالات الطوارئ.
3. التمريض كباحث وصانع معرفة
تجاوز دور التمريض حدود تقديم الرعاية ليشمل إنتاج المعرفة الصحية، من خلال المشاركة في البحوث السريرية، وتطوير بروتوكولات العلاج، والإسهام في صياغة سياسات الصحة العامة.
المنطقة العربية… بين التحديات والفرص
رغم التقدم الملحوظ، تواجه المنطقة العربية تحديات مستمرة، من بينها نقص الكوادر الوطنية في بعض الدول، وتفاوت جودة التعليم التمريضي، وضعف برامج التطوير المهني المستمر، إلى جانب الحاجة إلى تعريب المصطلحات الطبية. وتشير تقارير إقليمية إلى أن بعض الدول تعتمد على كوادر تمريضية وافدة بنسبة تتجاوز 60%، ما يجعل تطوير القوى الوطنية أولوية استراتيجية.
في المقابل، تلوح فرص واعدة تشمل توسع كليات التمريض، وتزايد الدعم الحكومي، ودمج التكنولوجيا في التعليم، وتعزيز الشراكات الدولية، إلى جانب مبادرات وطنية لتطوير القوى العاملة الصحية.
التجربة السورية في تعريب الطب والتمريض… نموذج مبكر وهوية راسخة
تميّزت سورية منذ ستينيات القرن الماضي بتجربة رائدة في تعريب التعليم الطبي، شملت كليات الطب والتمريض والعلوم الصحية. وقد أسهم هذا التوجّه في:
• بناء كوادر وطنية قادرة على التعلم بلغتها الأم
• تعزيز فهم المصطلحات الطبية لدى الطلاب والممارسين
• دعم وصول المعرفة الصحية إلى المجتمع
• تمكين الممرضات والممرضين من التواصل الفعّال مع المرضى وذويهم
• إنتاج مراجع ومصطلحات عربية أسهمت في إثراء المكتبة الطبية العربية
وقد شكّلت هذه التجربة قاعدة معرفية مهمة، خاصة في مهنة التمريض، حيث ساعد التعريب في رفع مستوى الفهم السريري، وتسهيل التدريب، وتوسيع المشاركة المجتمعية في التوعية الصحية. واليوم، ومع التحولات الرقمية والبحثية، تبدو الحاجة ملحّة لإحياء هذا الإرث وتطويره بما يتناسب مع متطلبات القرن الحادي والعشرين.
مؤتمر عالمي يرسم ملامح المستقبل
يترقب العالم انعقاد المؤتمر العالمي الحادي والثلاثين للمجلس الدولي للتمريض في تايبيه عام 2027، حيث يجتمع آلاف الممرضات والممرضين والخبراء في المنظمات الصحية العالمية لمناقشة مستقبل المهنة وتحولاتها. ويركز المؤتمر على التمكين، والابتكار الرقمي، والقيادة الصحية، وتطوير نماذج الرعاية، بما يعكس المكانة المتنامية للتمريض كأحد أعمدة الأمن الصحي العالمي.
وتكتسب هذه الفعالية أهمية خاصة للدول العربية التي تسعى إلى تحديث منظوماتها التمريضية، وبناء كوادر قادرة على المنافسة إقليمياً وعالمياً.
التمريض… مهنة العلم والإنسانية
في هذا اليوم، لا يقتصر الاحتفاء على الممرضات والممرضين، بل يمتد إلى الطمأنينة التي يزرعونها، والإنسانية التي يجسدونها، والدور الذي لا يمكن لأي نظام صحي أن يستغني عنه. فالتمريض ممارسة تجمع بين العلم والرحمة، وبين الدقة المهنية والالتزام الإنساني، في قدرة مستمرة على تخفيف الألم ومساندة المرضى وإنقاذ الأرواح.
خاتمة
إن شعار هذا العام ليس عبارة احتفالية بقدر ما هو دعوة لإعادة بناء منظومة التمريض في العالم العربي على أسس التعليم المتقدم، والتمكين المهني، والقيادة، والبحث العلمي. فالمصباح الذي حملته نايتينجيل لم يكن رمزاً للماضي، بل بذرةً لمستقبل تُصان فيه الحياة بالعلم، وتُصنع فيه القرارات بالتمكين، وتُبنى فيه المهنة على المعرفة والإنسانية معاً.
|