shopify site analytics
حتى الذَّهَب في تطوان سيَذْهَب - من الفجوة الرقمية إلى كرامة الإنسان… لماذا نحتاج عقدًا اجتماعيًا رقميًا عربيًا؟ - في تطوان للسياسة فنان / 3من3 - تحديد مواقف للدراجات النارية بشوارع مدينه ذمار - الاحتلال وإعدام الأسرى والإبادة الجماعية - نصيحةُ والدٍ إلى أبنائه وبناته من شباب اليمن وشاباته - لقاء قبلي في مخلاف رازح بمديرية عتمة يعلن الجهوزية والجهاد المقدس - ديناميكيات التصعيد في مضيق هرمز.. مقاربة دولية جديدة لإدارة الصراع - صحفي إسرائيلي يتجول في قلب مدينة الصدر ببغداد: "النفوذ الإيراني حاضر - محافظة بابل وتلكؤ إنجاز المشاريع الخدمية -
ابحث عن:



صنعاء نيوز - أن العالم العربي يدخل العصر الرقمي بلا إطار جامع يضبط العلاقة بين الإنسان والتكنولوجيا، ولأن العقد الاجتماعي الرقمي العربي

السبت, 16-مايو-2026
صنعاء نيوز/ بقلم: د. غسان شحرور -


لأن العالم العربي يدخل العصر الرقمي بلا إطار جامع يضبط العلاقة بين الإنسان والتكنولوجيا، ولأن العقد الاجتماعي الرقمي العربي لم يُصَغ بعد رغم التحولات العميقة التي تمسّ التعليم والصحة والوعي والكرامة، تصبح الدعوة إلى صياغته ضرورة فكرية وإنسانية عاجلة لا يمكن تأجيلها.وقد اخترت إطلاق هذه الدعوة اليوم، 17 مايو/أيار، في اليوم العالمي للاتصالات ومجتمع المعلومات لعام 2026، الذي يحمل شعار «خطوط الحياة الرقمية: تعزيز المرونة في عالم متصل»، لما يحمله هذا اليوم من رمزية تتقاطع مع جوهر هذا العقد.وتمتد جذور هذه الدعوة من كتاباتي السابقة حول أخلاقيات مجتمع المعلومات، والفجوة الرقمية، والمحتوى الرقمي المسؤول؛ وهي محاور لم تعد قضايا نظرية، بل أصبحت جزءًا أصيلًا من الأمن الإنساني العربي في زمن تتسارع فيه التحولات الرقمية وتتشابك مع كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية.

الفضاء الرقمي والأمن الإنساني

لم يعد الفضاء الرقمي رفاهية. فالتقارير الدولية تشير إلى أن الخدمات الحكومية والتعليمية والصحية تعتمد بصورة متزايدة على البنية الرقمية. وفي المقابل، ما تزال قطاعات واسعة من المجتمعات العربية تعاني ضعف الوصول إلى الإنترنت ونقص المهارات الرقمية الأساسية.

وقد كشفت جائحة كوفيد-19 هشاشة الواقع الرقمي العربي؛ ففي بعض المناطق السورية واليمنية، حُرم طلاب ومرضى ونازحون من التعليم والخدمات الصحية والتواصل الإنساني بسبب انهيار البنية الرقمية أو ضعفها. وهكذا، لم يعد الانقطاع الرقمي يعني فقدان خدمة تقنية فحسب، بل فقدان القدرة على التعلم، والحصول على العلاج، والوصول إلى المعلومة الموثوقة، بل وحتى طلب النجاة أثناء الكوارث.

إن العدالة الرقمية أصبحت جزءًا من العدالة الإنسانية نفسها.

الفجوة الرقمية… فجوة في الفرص والكرامة

تتسع الفجوة الرقمية العربية على مستوى الوصول والمعرفة وإنتاج المحتوى. وتشير تقديرات إقليمية إلى أن أكثر من 45% من الأسر العربية لا تمتلك اتصالًا ثابتًا بالإنترنت، ما يحدّ من فرص التعليم والعمل والمشاركة المجتمعية.

كما أن ضعف المحتوى العربي المعرفي والمهني الموثوق يحدّ من حضور اللغة العربية في الاقتصاد الرقمي العالمي، ويجعل أجيالًا كاملة أكثر عرضة للتبعية المعرفية والتضليل. ومن هنا، فإن الأمن الرقمي العربي لا ينفصل عن السيادة المعرفية العربية؛ فالأمة التي لا تنتج المعرفة الرقمية بلغتها وقيمها تصبح أكثر عرضة للتهميش في عالم تقوده الخوارزميات والبيانات.

الأخلاقيات الرقمية ضرورة لا ترف

أصبحت الأخلاقيات الرقمية ضرورة وجودية. فمع الانتشار الواسع للمعلومات المضللة، وتصاعد المخاوف المرتبطة بالخصوصية والذكاء الاصطناعي واستغلال البيانات، لم تعد التكنولوجيا محايدة دائمًا؛ إذ يمكن أن تتحول، في غياب الضوابط الأخلاقية، إلى أداة للتلاعب بالوعي أو الإقصاء أو تعميق عدم المساواة.

ومن هنا، تبرز الحاجة إلى عقد اجتماعي رقمي عربي يقوم على مبادئ أساسية تشمل:

• الحق في الاتصال
• حماية البيانات والخصوصية
• ضمان الوصول العادل إلى المعرفة
• بناء بيئة رقمية آمنة تحترم الكرامة الإنسانية
• حماية الفئات الأكثر هشاشة: الأطفال، ذوو الإعاقة، كبار السن


وفي المقابل، تتحمل الحكومات والمؤسسات مسؤوليات واضحة تشمل تطوير بنية رقمية عادلة وآمنة، وتعزيز الشفافية، وتحديث التشريعات، ودعم المحتوى العربي المسؤول، إلى جانب الاستثمار الحقيقي في المهارات الرقمية والتفكير والتقييم النقدي.

المحتوى الرقمي… روح العقد الاجتماعي

المحتوى الرقمي لم يعد مجرد مادة ترفيهية عابرة، بل موردًا عامًا يشكّل الوعي الجمعي والثقافة المجتمعية. والمشكلة اليوم ليست في كثرة المحتوى، بل في صدقيته وجودته وقدرته على خدمة المعرفة والإنسان.

ولهذا، تحتاج المنطقة العربية إلى مبادرات أكثر جدية لدعم المحتوى العلمي والطبي والحقوقي الموثوق، وتدريب الشباب على مهارات التحقق الرقمي، وإنشاء آليات مهنية مستقلة لتقييم مصداقية المحتوى، حتى لا يبقى الفضاء الرقمي ساحة مفتوحة للفوضى والتضليل وخطابات الكراهية.

وهذا المحور تحديدًا امتداد مباشر لما دعوتُ إليه سابقًا حول التقييم الاحترافي للمحتوى، والتمييز بين الغث والثمين، وبناء ثقافة رقمية مسؤولة.

الذكاء الاصطناعي بين الفرصة والمخاطر

يمثل الذكاء الاصطناعي فرصة تاريخية وتحديًا أخلاقيًا في آن واحد. فمن جهة، يمكن أن يسهم في تحسين التعليم والرعاية الصحية، وتعزيز الشفافية، وكشف المعلومات المضللة، وتوسيع فرص الوصول إلى المعرفة. ومن جهة أخرى، قد يؤدي إلى تهديد الخصوصية، وتوسيع الفجوة الرقمية، وإنتاج أشكال جديدة من التمييز المعرفي والاقتصادي إذا غابت الحوكمة الأخلاقية الرشيدة.

ولهذا، فإن أي عقد اجتماعي رقمي عربي يجب أن يتضمن سياسات واضحة للذكاء الاصطناعي المسؤول، وضمانات للشفافية والمساءلة، وتقييمًا مستمرًا للأثر الاجتماعي للتقنيات الحديثة، لأن التكنولوجيا التي لا تحمي الإنسان قد تتحول إلى مصدر جديد للهشاشة وعدم العدالة.

نحو رؤية عربية مشتركة

إن بناء هذا العقد ليس مهمة دولة واحدة، بل مشروعًا عربيًا مشتركًا يمكن أن يبدأ عبر:

• إنشاء مرصد عربي للفجوة الرقمية
• إطلاق ميثاق عربي للأخلاقيات الرقمية
• دعم المهارات الرقمية والتفكير النقدي في التعليم
• تشجيع الشباب على الابتكار وصناعة المعرفة بدل الاكتفاء باستهلاكها


خاتمة: التكنولوجيا في خدمة الإنسان

إن العقد الاجتماعي الرقمي العربي ليس وثيقة تقنية، بل مشروعًا إنسانيًا يعيد للإنسان مكانته في عالم تتسارع فيه التكنولوجيا بصورة غير مسبوقة. وفي زمن أصبحت فيه البيانات قوة، والخوارزميات مؤثرة في الوعي والقرار والفرص، لم يعد السؤال: كيف نلحق بالتحول الرقمي؟ بل كيف نجعل هذا التحول أكثر إنسانية وعدالة ومسؤولية.

فكما أعادت العقود الاجتماعية التقليدية تعريف علاقة الإنسان بالدولة، فإن العقد الرقمي العربي يجب أن يعيد تعريف علاقة الإنسان بالتكنولوجيا على أساس الكرامة لا الهيمنة، والعدالة لا الإقصاء، والمعرفة لا التضليل.

* د غسان شحرور، طبيب وكاتب في الصحة والثقافة وحقوق الإنسان ، مؤسس الرابطة السورية للمعلوماتية الطبية، من روّاد المعلوماتية الطبية / موسوعة ليكسيكون الدولية،
أضف تعليقاً على هذا الخبر
ارسل هذا الخبر
تعليق
إرسل الخبر
إطبع الخبر
RSS
حول الخبر إلى وورد

ملخصات تغذية الموقع
جميع حقوق النشر محفوظة 2009 - (صنعاء نيوز)