صنعاء نيوز - إيهاب مقبل
يُعد آرنه تريهولت (1942–2023) واحدًا من أكثر الشخصيات إثارة للجدل في التاريخ السياسي والأمني الحديث في النرويج. فقد جمع بين مسيرة دبلوماسية وسياسية رفيعة داخل مؤسسات الدولة، وبين إدانة لاحقة بتهمة التجسس لصالح الاتحاد السوفيتي والعراق خلال الحرب الباردة، في قضية ما تزال تثير النقاش حتى اليوم حول الأدلة وحدود الثقة في أجهزة الأمن والقضاء.
النشأة والمسار المهني
وُلد تريهولت في أسرة سياسية بارزة، إذ كان والده تورشتاين تريهولت شخصية مهمة في حزب العمال وشغل منصب وزير الزراعة وعضوًا في البرلمان النرويجي. تلقى آرنه تعليمه في أوسلو، ودرس العلوم الاجتماعية في جامعة أوسلو، وبرز مبكرًا في النشاط السياسي الطلابي، قبل أن يبدأ مسيرته المهنية كصحفي في صحيفة "أربيدربلاديت".
لاحقًا، انتقل إلى العمل داخل الجهاز الدبلوماسي والإداري للدولة النرويجية، حيث شغل مناصب متعددة، من بينها العمل في وزارة الخارجية والبعثة النرويجية لدى الأمم المتحدة في نيويورك، إضافة إلى دوره كسكرتير دولة في السبعينيات. وخلال هذه الفترة، كان جزءًا من دوائر التفاوض النرويجية المتعلقة بقانون البحار والسياسات الاقتصادية في شمال أوروبا، كما بنى شبكة واسعة من العلاقات السياسية والإعلامية.
الاتهامات بالتجسس والاعتقال
بدأت الشبهات تحيط بتريهولت خلال عمله في مؤسسات مرتبطة بالسياسة الخارجية. وفي عام 1984، أُلقي القبض عليه في مطار فورنيبو في أوسلو أثناء توجهه إلى لقاء في فيينا، في عملية نفذتها أجهزة مكافحة التجسس النرويجية. وقد اعتُبر الاعتقال صادمًا للرأي العام، خاصة أنه كان يشغل حينها منصب رئيس قسم في وزارة الخارجية، بعد أن عمل في وفد النرويج لدى الأمم المتحدة في نيويورك بين عامي 1979 و1982.
خلال التحقيقات، وُجهت إليه اتهامات بتسريب معلومات سرية إلى جهاز الاستخبارات السوفيتي (الكي جي بي) وإلى جهاز المخابرات العراقي، مقابل مبالغ مالية. وشملت الاتهامات تسليم وثائق تتعلق بالسياسة الخارجية النرويجية، وتقييمات أمنية، ومعلومات حساسة من بيئة العمل الدبلوماسي.
المحاكمة والإدانة
أثارت محاكمة تريهولت عام 1985 اهتمامًا إعلاميًا واسعًا في النرويج، وانتهت بإدانته بتهم التجسس والخيانة العظمى، وحُكم عليه بالسجن لمدة 20 عامًا، وهي من أقصى العقوبات الممكنة في القانون النرويجي آنذاك.
تركزت الإدانة على قيامه بنقل مواد سرية إلى جهات أجنبية خلال الفترة من منتصف السبعينيات وحتى أوائل الثمانينيات، بما في ذلك معلومات مرتبطة بعمله الدبلوماسي ومشاركته في مؤسسات حكومية حساسة. وقد اعتُبر الحكم حينها من أخطر القضايا الأمنية في تاريخ النرويج الحديث.
الجدل حول القضية وإعادة فتحها
لم تنتهِ القضية بعد صدور الحكم، بل تحولت إلى ملف جدلي طويل داخل النرويج. فقد طعن تريهولت لاحقًا في الحكم وسعى مرارًا لإعادة فتح القضية، مدعيًا وجود مشاكل في الأدلة، بما في ذلك مزاعم حول تزوير بعض المواد. إلا أن لجنة مراجعة القضايا الجنائية رفضت هذه الطلبات في عامي 2008 و2011، مؤكدة عدم وجود أساس لإعادة المحاكمة.
كما ظهرت خلال السنوات اللاحقة كتابات وتحقيقات إعلامية ونظريات مختلفة أعادت طرح القضية من زوايا متعددة، إلا أن النتائج الرسمية بقيت ثابتة على الإدانة الأصلية.
الإفراج والحياة بعد السجن
أُفرج عن تريهولت عام 1992 بعفو صحي بعد قضائه نحو تسع سنوات في السجن، معظمها في سجون شديدة الحراسة. وبعد خروجه، عاش بين روسيا وقبرص، وارتبط بأنشطة تجارية وشراكات، بعضها قيل إنه مرتبط بشخصيات سابقة في أجهزة الاستخبارات السوفيتية.
ظل تريهولت حاضرًا في النقاش العام النرويجي من خلال المقابلات والكتب والظهور الإعلامي، كما وُجهت إليه لاحقًا اتهامات بالترويج للرواية الروسية في بعض القضايا الجيوسياسية الحديثة.
ادعاءات حول شبكات التجنيد
إلى جانب الملف القضائي الرسمي، ظهرت في بعض الكتب التحليلية والدراسات المرتبطة بقضايا الحرب الباردة وملف اغتيال رئيس الوزراء السويدي أولوف بالمه، روايات تربط قضية تريهولت بشبكات استخباراتية أوسع. ومن بين هذه الادعاءات ما يشير إلى أن عملية تجنيده لصالح المخابرات العراقية قد تمت عبر دبلوماسي عراقي في السويد يُدعى "راضي محمد"، المعروف بلقب "أبو حيدر"، وأنه يُنسب إليه أيضًا أنه جند شخصيات أمنية سويدية، من بينها هانس ميلين، رئيس قسم الأجانب في شرطة ستوكهولم.
وتذهب بعض هذه الروايات إلى مزيد من التعقيد، حيث تربط بين تدريب ضباط المخابرات العراقية لدى جهاز الاستخبارات السوفيتي، وبين وجود أشكال من التعاون اللاحق بين الطرفين في سياق الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي.
الوفاة والإرث السياسي
توفي آرنه تريهولت في موسكو عام 2023 عن عمر يناهز الثمانين عامًا، حاملاً معه إلى القبر العديد من الأسئلة غير المحسومة والتفاصيل التي بقيت محل جدل واسع. وبقيت قضيته واحدة من أكثر ملفات التجسس إثارة للجدل في النرويج، بين من يراه خائنًا باع أسرار دولته، ومن يعتبره شخصية سياسية معقدة وجدت نفسها في قلب صراع استخباراتي واسع خلال الحرب الباردة.
وبغض النظر عن التفسيرات المتباينة، فإن قضية تريهولت ما تزال تمثل نموذجًا كلاسيكيًا لتداخل السياسة بالدبلوماسية والاستخبارات في حقبة كانت فيها أوروبا ساحة مفتوحة لصراع النفوذ بين الشرق والغرب.
المراجع
إريك ماغنوسون، كتاب اغتيال بالمه: المسارات العشرة (2026)
كريستينا لارسون، كتاب خمسة أمور في آنٍ واحد (2025)
الموسوعة النرويجية للسير الذاتية، آرنه تريهولت 2025
https://snl.no/Arne_Treholt
غونار وول، كتاب أعظم جواسيس التاريخ (2018)
بير شوري، كتاب الذاكرة والنار (2014)
انتهى |