shopify site analytics
من الفرح الجماعي إلى التغيّر الاجتماعي: أسباب تراجع بهجة العيد في العراق - النشرة المسائية لوسائل الإعلام العبري لنهار الثلاثاء  الموافق 26  مايو 2026  - معاذ الخميسي عنوانا للوفاء والمحبة - محافظ شبوة يهنئ قائد الثورة ورئيس المجلس السياسي بمناسبة عيد الأضحى المبارك - القاضي القدير مطهر الحوثي يحتفي بزفاف نجله - طهران: لو كان روبيو يعرف التاريخ أو العمارة لما التقط صورة هنا - المملكة لن تطبع مع إسرائيل إلا بعد وجود مسار واضح نحو إقامة دولة فلسطينية - الصحة العالمية تحذر: "إيبولا" يتفشى بسرعة قياسية في الكونغو وأوغندا ويهدد دول الجوار - حجاج اليمن يبدأون مناسك الحج بالانتقال إلى مشعر منى لقضاء يوم التروية - الذين سرقوا جامعاتنا... -
ابحث عن:



صنعاء نيوز - ظلّ عيد الأضحى وعيد الفطر عبر التاريخ العراقي مناسبتين تتجاوزان الطابع الديني إلى كونهما تعبيرًا عن روح المجتمع نفسه. فالعيد في العراق

الأربعاء, 27-مايو-2026
صنعاء نيوز/ ايهاب مقبل -
إيهاب مقبل

ظلّ عيد الأضحى وعيد الفطر عبر التاريخ العراقي مناسبتين تتجاوزان الطابع الديني إلى كونهما تعبيرًا عن روح المجتمع نفسه. فالعيد في العراق لم يكن مجرد أيام عطلة، بل كان زمنًا للتواصل الاجتماعي، وعودة الأقارب، وامتلاء الأسواق، والشعور الجماعي بالفرح. إلا أن كثيرًا من العراقيين اليوم يشعرون بأن الأعياد فقدت جزءًا كبيرًا من دفئها القديم، وأن العيد لم يعد يحمل المعنى نفسه الذي كان يحمله في الذاكرة العراقية التقليدية.

هذا التحول لم يحدث فجأة، بل جاء نتيجة تغيرات طويلة عاشها المجتمع العراقي سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا وثقافيًا، وصولًا إلى العصر الرقمي الحديث.

العيد في العراق التقليدي
في القرن الثامن عشر، حين كان العراق جزءًا من الدولة العثمانية، كانت الحياة الاجتماعية تقوم على العائلة الكبيرة والعشيرة والحيّ الشعبي. وكانت مدن مثل بغداد والموصل والبصرة تتميز بأحياء مترابطة يعرف سكانها بعضهم بعضًا بصورة يومية.

في تلك الفترة كان العيد حدثًا استثنائيًا في حياة الناس. تبدأ الاستعدادات له قبل أيام من خلال تنظيف البيوت وتحضير الحلويات الشعبية وشراء الملابس التقليدية. وبعد صلاة العيد، تمتلئ الأزقة بالزيارات العائلية، بينما تتحول الساحات والأسواق إلى أماكن للاحتفال والألعاب الشعبية والمراجيح.

وبسبب غياب وسائل الترفيه الحديثة آنذاك، كان العيد يمثل لحظة انتظار حقيقية، خصوصًا للأطفال الذين ارتبطت ذاكرتهم بالعيدية والملابس الجديدة والألعاب الشعبية.

من المجتمع التقليدي إلى المدينة الحديثة
مع القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، بدأت المدن العراقية تتوسع تدريجيًا، وظهرت أنماط جديدة من الحياة الحضرية. وبعد تأسيس الدولة العراقية الحديثة سنة 1921، أصبح العيد مناسبة وطنية عامة تُشارك فيها المؤسسات الرسمية والمدارس والأسواق التجارية.

وخلال خمسينيات وستينيات وسبعينيات القرن الماضي، ارتبط العيد بازدهار الحياة المدنية في العراق، فقد انتشرت السينمات والمتنزهات والمقاهي، وأصبحت الأسواق الليلية جزءًا أساسيًا من أجواء العيد، خاصة في بغداد. كما ساهمت الإذاعة والتلفزيون في خلق حالة احتفالية موحدة من خلال الأغاني والبرامج الخاصة بالمناسبة.

في تلك المرحلة، كان العيد يعكس حالة من الاستقرار الاجتماعي النسبي، وكانت العلاقات العائلية ما تزال قوية، الأمر الذي منح الأعياد طابعًا جماعيًا واضحًا.

الحروب وتغيّر المزاج الاجتماعي
ابتداءً من الثمانينيات، دخل العراق مرحلة طويلة من الحروب والأزمات السياسية والاقتصادية. فقد أثّرت الحرب العراقية الإيرانية ثم حرب الخليج والحصار الاقتصادي والأحداث التي أعقبت عام 2003 على الحياة اليومية للعراقيين بصورة عميقة.

تحولت الأعياد تدريجيًا من مناسبات مرتبطة بالراحة والطمأنينة إلى مناسبات يعيش فيها كثير من الناس تحت ضغط الخوف أو القلق أو الضائقة الاقتصادية. كما أدت الحروب والهجرة والنزوح إلى تفكك كثير من العائلات، الأمر الذي أضعف "لمة العيد" التي كانت تمثل جوهر المناسبة.

وتشير تقارير منظمات دولية إلى أن أجيالًا كاملة من العراقيين نشأت في ظروف مرتبطة بالعنف وعدم الاستقرار، فيما تؤكد هذه المنظمات أن المجتمعات الخارجة من النزاعات الطويلة تعاني من آثار نفسية واجتماعية طويلة المدى تنعكس حتى على المناسبات الجماعية.

الإدمان الرقمي وتآكل روح العيد
في القرن الحادي والعشرين ظهر عامل جديد غيّر طبيعة العيد بصورة واضحة، وهو الإدمان الرقمي. فقد أصبحت الهواتف الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي جزءًا أساسيًا من الحياة اليومية في العراق، خصوصًا بين الشباب.

تشير بيانات DataReportal Iraq 2025 إلى أن عدد مستخدمي الإنترنت في العراق بلغ نحو 38 مليون مستخدم في بداية عام 2025، أي ما يعادل 81.7٪ من السكان، بينما وصل عدد مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي إلى 34.3 مليون مستخدم، أي نحو 73.8٪ من إجمالي السكان. كما تُظهر البيانات وجود أكثر من 48 مليون خط هاتف محمول نشط داخل العراق.

وتوضح إحصاءات NapoleonCat أن منصة فيسبوك وحدها تضم أكثر من 33 مليون مستخدم داخل العراق، بينما يقترب عدد مستخدمي إنستغرام من 23 مليون مستخدم، إضافة إلى نحو 22 مليون مستخدم لتطبيق ماسنجر. وتشكل الفئة العمرية بين 18 و34 عامًا النسبة الأكبر من المستخدمين، وهي الفئة نفسها الأكثر حضورًا خلال المناسبات الاجتماعية والأعياد.

هذا الانتشار الهائل للتكنولوجيا غيّر معنى العيد نفسه. ففي الماضي كان العيد مناسبة ينتظرها الناس للخروج والتواصل والترفيه، أما اليوم فأصبحت وسائل التسلية متوافرة طوال الوقت عبر التطبيقات والألعاب والفيديوهات القصيرة. لذلك فقد العيد عنصر "الندرة" الذي كان يمنحه طابعًا استثنائيًا في الذاكرة العراقية.

كما أثّر الاستخدام المفرط للهواتف على العلاقات العائلية المباشرة. فالزيارات التي كانت مليئة بالحوار والاهتمام أصبحت في كثير من الأحيان تجمعًا لأشخاص منشغلين بشاشاتهم الخاصة. حتى التهاني التقليدية تحولت إلى رسائل سريعة وصور جاهزة تُرسل عبر التطبيقات بدل اللقاء المباشر.

وتشير دراسة استقصائية أُجريت في بغداد سنة 2023 ونُشرت في International Journal of Research in Medical Sciences إلى وجود ارتباط واضح بين إدمان الهواتف الذكية وبين القلق والاكتئاب لدى طلبة الجامعات العراقيين. وقد أظهرت النتائج أن 45.17٪ من طلاب الطب و39.5٪ من طلاب الكليات غير الطبية يعانون من إدمان الهواتف الذكية، بينما أُصيب 38.37٪ من المشاركين بأعراض اكتئاب تراوحت بين الخفيفة والمتوسطة والشديدة جدًا.

كما توصلت دراسة منشورة في مجلة جامعة رابرين إلى أن إدمان الهاتف المحمول بين الشباب في إقليم كردستان أثّر سلبًا على العلاقات الاجتماعية والتفاعل الإنساني المباشر. وأوضحت الدراسة أن الهواتف المحمولة أصبحت سببًا في إضاعة الوقت وزيادة التعب وضعف القدرة على إنجاز المهام اليومية، إضافة إلى ارتفاع مستويات القلق وتراجع الشعور بالأمان الاجتماعي. كما ربطت الدراسة بين الاستخدام المفرط للهواتف الذكية وبين مشكلات صحية متعددة، مثل اضطرابات النوم وإجهاد العين وقلة النشاط البدني. وأشارت أيضًا إلى أن الاعتماد المستمر على الهاتف المحمول يحدّ من قدرة الدماغ على تخزين المعلومات ويؤدي إلى تشتيت الانتباه بصورة مفرطة وغير ضرورية. وعلى المستوى الاجتماعي، أكدت الدراسة أن الاستخدام المكثف للهواتف الذكية ساهم في إضعاف العلاقات الأسرية والاجتماعية التقليدية وخلق حالة من التوتر والتناقض في طبيعة العلاقات بين الشباب، رغم ازدياد وسائل الاتصال الرقمية.

أما عالميًا، فتشير دراسة نقلتها Axios إلى أن نحو 25٪ من الشباب يعانون من القلق أو الاكتئاب أو اضطرابات النوم المرتبطة بالاستخدام المفرط للهواتف الذكية.

ومع صعود وسائل التواصل الاجتماعي، ظهرت أيضًا ثقافة المقارنة المستمرة، إذ أصبح بعض الناس يقارنون أعيادهم بما يشاهدونه من مظاهر السفر والإنفاق والرفاهية على الإنترنت، ما أدى إلى زيادة الشعور بعدم الرضا وفقدان الإحساس البسيط بالفرح.

ومع ذلك، لا يمكن الجزم بأن الهواتف الذكية في جميع الحالات، سبب مباشر لتراجع بهجة العيد، بل يمكن فهم دورها بوصفه عاملًا ضمن مجموعة أوسع من التحولات الاجتماعية والثقافية، أسهمت في إعادة تشكيل أنماط التفاعل البشري، بحيث لم يعد العيد مرتبطًا حصريًا باللقاء المباشر، بل أصبح جزءًا من تفاعل اجتماعي يمتد عبر الفضاء الرقمي أيضًا.

الحنين إلى الماضي
لا يرتبط فقدان بهجة العيد بالظروف الاجتماعية فقط، بل يرتبط أيضًا بطريقة تذكّر الإنسان للماضي. فالطفولة تجعل العيد يبدو أكثر سحرًا وبساطة، لأن الطفل يعيش المناسبة بوصفها عالمًا من المفاجآت والفرح الخالص، بينما يواجه البالغ ضغوط العمل والمسؤوليات والحياة اليومية.

ولهذا يبدو العيد القديم أكثر جمالًا في الذاكرة، حتى لو كانت الحياة آنذاك أقل رفاهية من اليوم. فالحنين هنا ليس حنينًا للماضي وحده، بل للشعور النفسي الذي كان يرافقه.

خاتمة
يعكس تاريخ العيد في العراق تاريخ المجتمع العراقي نفسه. فمن أحياء بغداد العثمانية والأسواق الشعبية القديمة، إلى المدن الحديثة والعالم الرقمي، تغيّرت الأعياد بتغيّر شكل الحياة والعلاقات الإنسانية.

ورغم أن كثيرًا من العراقيين يشعرون بأن العيد فقد جزءًا من بهجته، فإن ذلك لا يعني اختفاء معناه بالكامل. فما تزال الأعياد تحمل قيمة دينية وعاطفية عميقة، لكنها أصبحت تعيش وسط عالم أكثر سرعة وضغطًا وتعقيدًا من أي وقت مضى. وربما لم يفقد العيد روحه تمامًا، بل أصبح يحتاج إلى استعادة ما فقده المجتمع نفسه من دفء وبساطة وتواصل بشري.

المراجع
العيد في بغداد مطلع القرن العشرين
https://www.youtube.com/watch?v=ckbXEH5yNkM

التأثيرات الاجتماعية لإدمان الهواتف المحمولة بين الشباب، دراسة ميدانية في إقليم كردستان، مجلة جامعة رابرين، المجلد 12 العدد 1 (2025)
https://journal.uor.edu.krd/index.php/JUR/article/view/1865

البيانات الرقمية 2025: العراق
https://datareportal.com/reports/digital-2025-iraq

مستخدمو وسائل التواصل الاجتماعي في العراق في نهاية عام 2025، NapoleonCat
https://stats.napoleoncat.com/social-media-users-in-iraq/2025/

انتشار إدمان الهواتف الذكية وعلاقته بالاكتئاب والقلق لدى طلاب الجامعات، بغداد 2023، International Journal of Research in Medical Sciences ،المجلد 12 العدد 8 (2024)
https://www.msjonline.org/index.php/ijrms/article/view/13815

دراسة: استخدام الهواتف الذكية يزيد القلق والاكتئاب لدى 25% من الشباب، Axios، نوفمبر تشرين الثاني (2019)
https://www.axios.com/2019/11/29/smartphone-anxiety-depression-youth

انتهى
أضف تعليقاً على هذا الخبر
ارسل هذا الخبر
تعليق
إرسل الخبر
إطبع الخبر
RSS
حول الخبر إلى وورد

ملخصات تغذية الموقع
جميع حقوق النشر محفوظة 2009 - (صنعاء نيوز)