
|
|
| |
|
صنعاء نيوز - إيهاب مقبل
في يوم الاربعاء 11 يوليو تموز 1990، أعلنت السويد استدعاء سفيرها من بغداد احتجاجًا على تنفيذ حكم الإعدام بحق المواطن السويدي من أصل عراقي "جليل مهدي صالح النعيمي"، المدان في العراق بتهمة التجسس لصالح الموساد الإسرائيلي.
ورغم أن القضية انتهت رسميًا منذ أكثر من ثلاثة عقود، فإنها ما تزال تُستعاد في النقاشات التاريخية بوصفها نموذجًا على طبيعة "حرب الظل" التي كانت تدور بين أجهزة الاستخبارات في الشرق الأوسط وأوروبا خلال أواخر الحرب الباردة.
خلفية أولية: اعتقال في لحظة سياسية مشحونة
وفق البيانات السويدية الصادرة آنذاك، فقد تم اعتقال النعيمي في أغسطس آب 1989 أثناء زيارة عائلية إلى العراق، رغم حمله الجنسية السويدية منذ عام 1980 وإقامته خارج البلاد لفترة طويلة.
في المقابل، تشير روايات عراقية إلى أن توقيفه تم في فترة لاحقة، في أبريل نيسان 1990، قبل أن يُحال إلى محكمة الثورة، حيث وُجهت إليه تهمة العمل لصالح جهاز الموساد الإسرائيلي، وهي التهمة التي شكلت لاحقًا محور أزمة دبلوماسية بين بغداد وستوكهولم.
ويعكس هذا الاختلاف في التواريخ تباينًا في مصادر الرواية بين الجانب السويدي والجانب العراقي، في ظل غياب أرشيف قضائي منشور يتيح التحقق الحاسم من التسلسل الزمني الكامل للقضية.
السويد بين الصمت الدبلوماسي والصدمة السياسية
اتبعت السويد خلال مجريات القضية سياسة وُصفت بأنها "الدبلوماسية الهادئة"، إذ فضّلت عدم التصعيد الإعلامي، واعتمدت على قنوات خلفية لمحاولة إنقاذ مواطنها.
وشملت هذه الجهود رسالة شخصية من رئيس الوزراء السويدي إينغفار كارلسون إلى الرئيس العراقي صدام حسين، إلى جانب اتصالات أجراها وزير الخارجية ستين ستوره أندرسون مع أطراف عربية وإقليمية متعددة.
لكن هذه التحركات، رغم كثافتها، لم تؤثر في مسار الحكم، إذ تم تنفيذ الإعدام، ما دفع ستوكهولم إلى استدعاء سفيرها من بغداد في خطوة احتجاجية واضحة.
سياق إقليمي: ما بعد “قضية بازوفت” وتشدد أمني متصاعد
تأتي قضية النعيمي في سياق إقليمي سبقته قضية إعدام الصحفي البريطاني من أصل إيراني فرزاد بازوفت، الذي نُفذ حكم الإعدام بحقه في 15 مارس آذار 1990، وأدى حينها إلى أزمة دبلوماسية حادة بين العراق وبريطانيا.
وقد مثّلت تلك القضية نقطة تحول في طريقة تعامل بغداد مع الملفات المرتبطة بتهم التجسس، إذ رافقها تصعيد سياسي وإعلامي واسع، خصوصًا بعد الانتقادات العلنية التي وجهتها لندن للحكم القضائي، ومطالبتها بإعادة النظر في العقوبة أو منح العفو.
وفي تصريحات لاحقة نُسبت إلى الرئيس العراقي الراحل صدام حسين وعدد من المسؤولين العراقيين، جرى الإشارة إلى أن الحملة الإعلامية البريطانية العلنية حول القضية ساهمت في تعقيد فرص العفو، وأثّرت على مسار التعامل الرسمي مع الملف.
ويرى باحثون ومؤرخون أن تلك المرحلة من أواخر الحرب العراقية–الإيرانية وما تلاها مباشرة، شهدت تحولًا واضحًا في مقاربة قضايا الأمن القومي، حيث أصبحت تهم التجسس تُعامل بقدر عالٍ من التشدد، في ظل بيئة إقليمية مشحونة وتوترات أمنية متصاعدة.
كما يُنظر إلى تلك الفترة باعتبارها مرحلة انتقلت فيها قضايا التجسس من كونها ملفات قضائية فردية إلى ملفات ذات انعكاس سياسي ودبلوماسي مباشر، ما جعل أي قضية مشابهة لاحقًا أكثر حساسية على المستويين الإقليمي والدولي، ومنها قضية النعيمي.
رواية داخلية: شهادة الضابط السابق مازن ميخائيل
في مقابل الرواية الدبلوماسية السويدية، تبرز رواية أخرى من داخل المنظومة الأمنية العراقية، منسوبة إلى مازن ميخائيل، وهو ضابط سابق في مديرية مكافحة التجسس (المديرية الخامسة).
يكشف ميخائيل أن هذه العملية كانت تتمتع بنَفَسٍ استراتيجي طويل، وقد تمت متابعتها على مدى ثماني إلى تسع سنوات، من عام 1980 حتى عام 1989. وكانت عملية مهمة لأن جهاز الموساد كان يُعِدّ لإنشاء عملية اختراق متكاملة وتكوين واحدة من أهم شبكات التجسس داخل العراق وفي مراكز حساسة.
وكان الهدف الحصول على معلومات بالغة الأهمية، خصوصًا ما يتعلق بمنشآت التصنيع العسكري، والأسلحة الكيميائية، والأسلحة المتطورة، والصواريخ، إضافة إلى خطط التنمية الصناعية والانفجارية التي كان العراق يقودها آنذاك، وكذلك دخول العديد من الشركات الأجنبية.
ويضيف: «بالنسبة لنا، كان لا بد من استكمال جميع الإجراءات المتعلقة بالسويدي (ج.ن). فمنذ استلامنا هذه الإشارة، بدأنا بجمع معلومات عن عائلته وأقاربه في منطقة سكنه ببغداد، وهي منطقة شعبية. لكننا لم نجد أي شيء أو أي مؤشرات سلبية تجاه العائلة.
كما قمنا بالاطلاع على معلومات مديرية الأمن العامة، لكونها تمتلك أرشيفًا ضخمًا جدًا عن العراقيين في ذلك الوقت. وكانت المعلومات تشير إلى أنه شخص هارب من العراق منذ عام 1976، وكان يعمل بحّارًا على إحدى السفن في البصرة.
وكان لديه أبناء أشقاء: أحدهم يعمل مهندسًا في منشآت الصناعات الكهربائية في ديالى، وآخر يعمل مهندسًا في منشأة الصناعات الفنية التي أصبحت لاحقًا جزءًا من التصنيع العسكري، وثالث يعمل نائب ضابط فني في إحدى قواعد القوة الجوية. كما أن لديه ابنة شقيق تعمل في دار الأزياء العراقية وتمتلك محلًا للأزياء في منطقة المنصور ببغداد».
ويتابع: «قمنا أيضًا باستطلاع رأي مديرية (م4)، وهي مديرية الخدمة السرية الخارجية كانت تنشط في أوروبا، فأبلغتنا بأنه متزوج من امرأة يهودية من أصل بولندي، ويمتلك متجرًا صغيرًا (سوبر ماركت) بالقرب من السفارة العراقية في ستوكهولم، كما كانت لديه علاقات واسعة مع العراقيين والفلسطينيين هناك».
ويضيف ميخائيل: «لم تُشر سجلات مديرية الأمن العامة إلى دخوله العراق خلال الفترة الممتدة من عام 1976 حتى عام 1981. واستكمالًا لإجراءات المتابعة، وبغية ضمان استمرارية المعلومات التي كانت ترد إلينا عن طريق العائلة، عثرنا على مصدر قريب من منزلهم، وهو صاحب فرن لبيع الخبز يقع مقابل منزل العائلة وعلى بُعد نحو أربعة إلى خمسة أمتار.
وقمنا بجمع معلومات عن بائع الخبز، فوجدناه شخصًا جيدًا وشابًا رياضيًا معروفًا في المنطقة. فتحدثنا معه، وأبدى استعداده للعمل معنا بدافع وطني، بهدف حصر الأشخاص المترددين على العائلة ومعرفة طبيعة علاقاتهم.
واستمرت علاقتنا معه، وكنا نلتقي به بين فترة وأخرى، وكذلك نتواصل معه عبر الهاتف، لأننا كنا بحاجة إليه مستقبلًا. وبقيت الأمور على هذا الحال من عام 1981 حتى عام 1989، من دون أن ترد إلينا أي مؤشرات تتعلق بالعائلة أو بالهدف داخل العراق. لكننا كنا نكلّف المديرية الرابعة باستمرار بتزويدنا بأي معلومات أو مستجدات.
ومن جانبنا، كنا قد أشعرنا محطتنا في المطار بضرورة إبلاغنا فور دخوله إلى العراق. ولذلك بقي ملفه مفتوحًا طوال تلك السنوات، وسُجّل اسمه في السجل الخاص بالقضايا والمتابعة داخل القسم».
ويشير إلى أنه في عام 1989 تلقى اتصالًا من المصدر، وهو صاحب المخبز، طلب فيه لقاءه لأمر عاجل. ويقول: «ذهبت إلى منطقة قريبة من المخبز، فأبلغني بأنه التقى بشخص يُدعى كاكا آزاد، جاء يطرق باب منزل العائلة، وحاول عدة مرات لكنه لم يجد أحدًا فيها. بعدها توجّه إلى صاحب المخبز ليستفسر عن العائلة، فأخبره بأنهم خرجوا جميعًا خارج بغداد ولن يعودوا إلا في وقت متأخر.
وبقي كاكا آزاد لدى صاحب المخبز بانتظار العائلة، باعتبار أنه لا يعيش في بغداد. وكان الهدف من ذلك توطيد العلاقة مع أي شخص له صلة بالهدف. فبقي كاكا آزاد عند صاحب المخبز، يتحدث معه ويتناول الطعام، ومن خلال الحديث بينهما أخبر المصدر بأنه يعمل في محل (ج.ن)، وأنه أرسل معه هدايا وبعض الأغراض والأموال لتسليمها إلى عائلته».
ويتابع: «لقد حدث ما توقعه جهاز المخابرات العراقي بعد ثماني سنوات من الانتظار، وذلك من خلال محاولة الموساد جسّ النبض عبر إرسال كاكا آزاد.
وفي وقت لاحق، أبلغتنا المديرية الرابعة بأن الهدف (ج.ن) قد راجع السفارة العراقية في ستوكهولم طالبًا الحصول على سمة دخول إلى العراق له ولزوجته. وعلى إثر هذه الإشارة، عقدنا اجتماعًا مشتركًا بين المديريتين الرابعة والخامسة، وتم الاتفاق على وضع خطة تهدف إلى التقرب من الهدف عبر القنصل العراقي في السويد.
وقد طُلب من القنصل إبلاغه بأنه مرحّب به في وطنه، وأن هناك امتيازات للعراقيين المتجنسين في الخارج، تتمثل بمنحهم “شهادة المواطن المغترب”، وما يترتب عليها من حقوق داخل العراق، مثل حق الدخول إلى البلاد، وحق الإرث، إضافة إلى دعوتهم إلى العراق على نفقة الدولة لحضور مؤتمرات المغتربين التي كانت تنظمها وزارة الخارجية العراقية بالتنسيق مع وزارة الثقافة والإعلام، مع تغطية جميع المصاريف من سفر وطعام وإقامة في فنادق من الدرجة الأولى.
كما تم تكليف القنصل بدعوته هو وزوجته ومن يرغب من معارفه إلى احتفال اليوم الوطني في 17 تموز يوليو، الذي كانت تقيمه السفارة العراقية، بهدف التقرب منه وطمأنته.
أما من جانبنا، فقد وضعت مديرية مكافحة التجسس (م5) خطة محكمة لمتابعته منذ دخوله البلاد لحضور مؤتمر المغتربين، الذي كان من المقرر عقده في شهر أغسطس آب عام 1989».
ويضيف: «بعد فترة، أبلغتنا المديرية الرابعة بأن خطتنا نجحت في استمالة وطمأنة (ج.ن)، وأن الأمور سارت بصورة جيدة. وتمت دعوته لحضور احتفالية اليوم الوطني العراقي، كما أُدرج اسمه ضمن المشاركين في مؤتمر المغتربين في بغداد. وكان هادئًا ومطمئنًا، وتمت مساعدته في إنجاز بعض المعاملات داخل القنصلية، حتى أصبح يتباهى بعلاقته بالقنصل في السفارة العراقية.
وبعد منحه سمة الدخول، ضمن مجموعة من خمسة مغتربين قادمين من السويد، كانت خطتنا تقضي بمراقبته منذ دخوله العراق وحتى مغادرته، من خلال ضابط متابعة يرافق مجموعته بغطاء من وزارة الخارجية.
وشملت الخطة زرع غرفته بأجهزة تنصت، وكذلك زرع منزل العائلة بأجهزة مراقبة صوتية، إضافة إلى مراقبته ميدانيًا عند خروجه من الفندق. كما كُلّف مصدرنا، صاحب المخبز، برصد منزل العائلة خلال تلك الفترة، وتم تشكيل فريق عمل متكامل لمتابعته طوال انعقاد المؤتمر.
وقد أثمرت الخطة النتائج التالية: كانت تصرفاته طبيعية، ولم يظهر أي سلوك يثير الريبة أو الشك، حتى غادر العراق بصورة اعتيادية. ومن خلال دراسة الموقف ميدانيًا، توصل جهاز المخابرات إلى أن الهدف دخل العراق لاختبار ما إذا كان خاضعًا للمراقبة أم لا. ولذلك اقترحنا السماح له بالمغادرة من دون اتخاذ أي إجراء بحقه، بهدف طمأنته ومتابعته مستقبلًا عند دخوله وخروجه من العراق.
بعد ذلك، رصدنا مكالمة هاتفية بين الهدف وعائلته، أخبرهم خلالها بأنه ينوي زيارة العراق مجددًا مع زوجته، والإقامة في منزل العائلة بدل الفندق. وعلى ضوء هذه المعلومة، اجتمع فريق العمل للتحضير لأي تطورات جديدة أو استحداث مصادر إضافية للمتابعة.
وكانت خطتنا تتضمن الاستمرار في مراقبة هاتف المنزل، وإجراء مسح ذبذبي لمنزل العائلة خلال فترة وجوده، لاحتمال امتلاكه جهاز إرسال صغير يستخدمه الموساد، وهو جهاز يمكن إخفاؤه بسهولة. كما استمر تكليف مصدرنا، صاحب الفرن المقابل للمنزل، بالمراقبة، وتم زرع كاميرا حساسة أعلى مدخنة الفرن طوال فترة وجود الهدف في المنزل. كذلك أُغلق المخبز مؤقتًا بحجة الصيانة، وتم تعويض صاحبه ماليًا عن أيام الإغلاق.
إضافة إلى ذلك، تمت مراقبته ميدانيًا على مدار 24 ساعة، مع تهيئة جميع ترتيبات المتابعة منذ دخوله العراق. وقد وصل على متن طائرة تابعة للخطوط الجوية الاسكندنافية (ساس)، وكان في استقباله ابنة شقيقه وأبناء أشقائه.
وأظهرت نتائج المتابعة أنه في اليوم الثاني أو الثالث بدأ باستخدام سيارة حمراء برازيلية الصنع تعود إلى ابن شقيقه. وقد رصدنا عبر الكاميرا أنه كان يجلس في المقعد الخلفي محاولًا إخفاء نفسه، ثم يتظاهر بالنوم، بينما كان ابن شقيقه، وهو نائب ضابط، يقود السيارة. وقد اعتبرنا ذلك مؤشرًا على محاولته التأكد مما إذا كان مراقبًا أم لا.
لكن ضابط المراقبة والفريق المكلف كانوا محترفين ومدربين جيدًا، واستمرت المتابعة حتى خارج المنطقة. وفي إحدى المرات فقدنا أثره، لكننا عالجنا الموقف باستخدام طائرة شراعية تدريبية تابعة للجمعية العراقية للطيران الشراعي، حيث قمنا بتعقبه جوًا ورصد تحركاته.
ومن خلال التنصت على هاتف منزل العائلة، تبيّن لنا أنه كان يستفسر من ابنة شقيقه عن تحركات الرئيس صدام حسين وإجراءات حمايته، خصوصًا أنها كانت على علاقة بأحد أفراد الحماية الخاصة الذي وعدها بالزواج.
كما تبيّن لنا أنه كان يطرح أسئلة على ابن شقيقه العامل في القوة الجوية بشأن طائرات “ميغ 29” الحديثة آنذاك، وعدد الطيارين وأعمارهم ومناطق سكنهم وطبيعة علاقاته بهم. كذلك كان يستفسر من ابن شقيقه الآخر عن الانفجارات التي وقعت في بعض منشآت التصنيع العسكري بمنطقة اليوسفية، وعن طبيعة ما يُنتج فيها.
وكان هدفه، بحسب تقديرنا، تجنيد أقاربه بصورة غير مباشرة، وجمع معلومات منهم بحكم قربهم من مواقع حساسة، مع إغرائهم بوعود مالية مستقبلية.
واستمرت متابعته داخل العراق باستخدام وسائل متعددة ومتطورة وفعالة. ومن خلال التنصت الهاتفي، علمنا أن الهدف كان يعتزم مغادرة العراق في الأسبوع الأول من شهر أبريل نيسان 1990. وعلى ضوء ذلك، رفعنا نتائج المتابعة بشكل مفصل، مدعومة بالأدلة والتسجيلات، إلى الجهات المختصة، مع مقترح بعرض الملف على قاضي تحقيق الجهاز للنظر في كفاية الأدلة لإلقاء القبض عليه والتحقيق معه.
وقد طلبنا ذلك رسميًا من القاضي، فأجابنا رسميًا بأن الأدلة كافية لإلقاء القبض عليه والتحقيق معه وفقًا للمادتين 156 و157 من قانون العقوبات العراقي.
وعلى الرغم من موافقة القاضي، قمنا برفع النتائج النهائية إلى مدير جهاز المخابرات، الذي وافق على إلقاء القبض عليه وإيداعه الحاكمية.
وفي يوم الخميس الموافق 5 أبريل نيسان 1990، راجع الهدف دائرة الإقامة لاستحصال سمة مغادرة لزوجته البولندية، فكنا بانتظاره هناك برفقة طاقم من المديرية السابعة المتخصصة، وتم إلقاء القبض عليه بطريقة لا تثير الشك أو الانتباه، ثم أبلغنا فرق المراقبة بالانسحاب بعد انتهاء العملية».
يُذكر أن المديرية السابعة، المعروفة باسم «الحاكمية»، كانت تُعد مركز الاستجواب الرئيسي لجهاز المخابرات والأمن، وكانت تقع مقابل مكتب الجوازات في شارع 52.
ويتابع: «عند إخضاعه للتحقيق من قبل أفضل المحققين في الحاكمية آنذاك، أُبلغ بأن كل شيء معروف عنه منذ البداية، وأن جميع تحركاته وأنشطته باتت مكشوفة، مع مفاجأته بقضية «كاكا آزاد»، الذي كان قد احتُفظ به في مكان سري طوال فترة المتابعة، ما أدى إلى انهياره بشكل مباشر.
وقد استخدم المحقق أسلوبًا نفسيًا ذكيًا، فأخبره بسرعة أن الاعتراف في ظل وجود الأدلة المتوفرة سيكون أفضل له، وأن الهدف من ذلك هو الاستفادة من معلوماته، مع طرح إمكانية إعادة تشغيله لاحقًا كوكيل مزدوج يعمل لصالحهم، باعتباره عراقيًا وابن الوطن.
وبعد ذلك طُلب منه ورقة وقلم، فجلس وبدأ بكتابة إفادته، وجاء فيها ما يلي:
1. أنه جُنّد لصالح جهاز الموساد منذ عام 1980، وأن مهمته كانت تتجه نحو سفارة العراق في ستوكهولم بهدف كشف عناصر وضباط المخابرات العراقية في السويد.
2. أنه حاول الكشف عن ضابط مخابرات عراقي قام بتجنيد ضابط شرطة سويدي رفيع المستوى في ستوكهولم يُدعى هانس ميلين، والذي اعتُقل في وقت سابق بتهمة التجسس عام 1979، وكان يعمل لصالح المخابرات العراقية وجهاز الاستخبارات السوفيتي (كي جي بي).
3. أنه عمل على تحديد طبيبين عراقيين كانا يعملان لصالح المخابرات العراقية في السويد، وأن جهاز المخابرات العراقية تمكن لاحقًا من إطلاق سراحهما عبر صفقة تبادل تضمنت تسليم مطلوبين للقضاء السويدي.
4. أنه كُلّف بمتابعة نشاطات منظمات فلسطينية في السويد، وأنه أُرسل مرتين إلى لبنان وزوّد الموساد بمعلومات عن بعض القادة الفلسطينيين، مقابل وعود باستعادة رفات شقيقه الذي كان فدائيًا في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين واستشهد خلال عملية فدائية داخل فلسطين المحتلة.
5. أنه شارك في تزويد معلومات خلال اجتياح لبنان عام 1982 حول بعض القيادات الفلسطينية، والتي استُهدفت لاحقًا.
6. أنه جمع معلومات عن موظفي السفارة العراقية والطلاب المبتعثين العراقيين في السويد وتخصصاتهم، بهدف تقييم إمكانية تجنيدهم لاحقًا.
7. أنه قام بتجنيد عدد من العرب في السويد لصالح السفارة الإسرائيلية.
8. أن السوبرماركت الذي كان يديره كان مموّهًا وممولًا من الموساد بهدف تسهيل نشاطه في جمع المعلومات ورصد العراقيين والتقرب منهم.
9. أنه كان مكلفًا بجمع معلومات دقيقة عن الوفود العراقية الزائرة للسويد، بما في ذلك طبيعة العقود التي يوقعها العراق مع الشركات السويدية، خصوصًا ما يتعلق بالملاجئ النووية، والاتصالات، والكابلات المحورية، ومشروع «MK 14»، إضافة إلى عقود شركة إريكسون ومشاريع التنصت والمراقبة الهاتفية، فضلًا عن متابعة المنشآت العسكرية والكيميائية العراقية، ودراسة الأشخاص المهمين تمهيدًا لترشيحهم للتجنيد.
وقد صُدّقت إفادته قانونيًا، وأحال قاضي التحقيق ملفه إلى المحاكم الخاصة لينال جزاءه وفق المادة 157 من قانون العقوبات العراقي. كما وافق مدير الجهاز آنذاك على عدم التعرض لعائلته بعد صدور الحكم، باعتبارهم عراقيين، مع التقدير لتجنب خسارة أفراد من المجتمع في ظروف ما بعد الحرب، حيث كانت البلاد بحاجة إلى العمل والاستقرار».
الحكم والإعدام: مسار قضائي في بيئة سياسية مغلقة
بعد انتهاء التحقيقات، أُحيل ملف القضية إلى القضاء العراقي، الذي أصدر حكم الإعدام بحق النعيمي بتهمة التجسس لصالح جهة أجنبية.
وتشير مصادر إعلامية أمريكية في حينه إلى أن دبلوماسيًا سويديًا حضر جلسات المحاكمة، في إطار متابعة السفارة السويدية للإجراءات القضائية المتعلقة بالقضية. كما أفادت تلك المصادر بأن السلطات العراقية سمحت للسفارة السويدية بتوكيل محامٍ عراقي للدفاع عن النعيمي، وهي خطوة وُصفت بأنها غير مألوفة نسبيًا في القضايا ذات الطابع الأمني خلال تلك الفترة، رغم أنها لم تكن كافية لتغيير مسار الحكم.
وبحسب الرواية السويدية الرسمية، فإن الجهود الدبلوماسية لم تنجح في وقف تنفيذ الحكم، رغم استمرار الاتصالات والتحركات غير العلنية حتى الساعات الأخيرة قبل التنفيذ.
وفي يوم الإعدام، أُبلغ السفير السويدي في بغداد قبل ساعات قليلة فقط من تنفيذ الحكم، ما حدّ من أي إمكانية لتحرك دبلوماسي إضافي. وقد سُمح له بزيارة أخيرة للمتهم قبل تنفيذ الحكم، في خطوة وُصفت بأنها بروتوكولية أكثر منها سياسية، لتُطوى بذلك صفحة القضية رسميًا من الناحية الإجرائية.
التداعيات الدبلوماسية: استدعاء السفير وبداية مرحلة توتر
أدى تنفيذ الحكم إلى رد فعل فوري من السويد، تمثل في استدعاء سفيرها من بغداد، في خطوة احتجاجية عكست مستوى التوتر الذي بلغته العلاقات الثنائية.
ويرى محللون أن هذه الخطوة لم تكن مجرد رد فعل قانوني أو إنساني، بل كانت أيضًا رسالة سياسية تعكس رفض ستوكهولم التعامل مع بغداد.
بين الحقيقة الأمنية وسردية الذاكرة
بعد أكثر من ثلاثين عامًا، لا تزال قضية النعيمي تقع ضمن منطقة رمادية تتقاطع فيها البيانات الدبلوماسية الرسمية مع الروايات الأمنية المنسوبة، في ظل استمرار غياب أرشيف قضائي مفتوح أو ملف تحقيق منشور يمكن الرجوع إليه بشكل كامل.
وتُعد الشهادة المنسوبة إلى الضابط السابق مازن ميخائيل مثالًا على ما يمكن تسميته بـ“الذاكرة الأمنية الشفوية”، وهي روايات تُقدَّم من داخل أو محيط المؤسسات الأمنية السابقة بهدف تفسير سياقات العمليات، لكنها تبقى، من منظور صحفي وتحقيقي، غير قابلة للتحقق المستقل ما لم تدعمها وثائق رسمية أو مصادر متعددة مستقلة.
في المقابل، تبقى الرواية السويدية بدورها محكومة ببيانات دبلوماسية عامة، ركزت على الموقف السياسي والإجراء الاحتجاجي، دون نشر تفاصيل قضائية موسعة أو ملفات تحقيق مفصلة حول القضية.
ومن اللافت أيضًا أن هذه القضية، رغم حساسيتها في سياقها التاريخي، تُعد شبه غائبة عن التغطية الإعلامية السويدية المعاصرة، إذ لا يظهر ذكرها إلا بشكل محدود في أرشيفات أو إشارات تاريخية عابرة، في حين تحظى بقدر أكبر من التداول في بعض الدراسات أو المواد الإعلامية الدولية، خصوصًا في وسائل إعلام أمريكية أو في سياقات تناول تاريخ العلاقات الغربية مع العراق خلال تلك الفترة.
انتهى |
|
|
|
|
|
تعليق |
إرسل الخبر |
إطبع الخبر |
RSS |
حول الخبر إلى وورد |
|
|
|
|
|