shopify site analytics
مهرجانات العيد المختلطة.. بين غياب "الغيرة" وتجاوزات المنظمين! - البطالة بين الواقع وإشكالية التأهيل المهني - طهران على دفاتر الدَّين": طبقة وسطى تنهار ونظام يصرف على القمع والميليشيات - زلزال في بودابست: باريس يهدم "معبد" أرسنال ويتوج ملكاً لأوروبا فوق نهر الدانوب - أمطار رعدية غزيرة وموجة من عدم الاستقرار تضرب عدة مناطق! - باريس سان جيرمان يتربع على عرش أوروبا للمرة الثانية تواليًا وآرسنال يدخل التاريخ برقم - من الجدير ذكره .. حكايات من واقع الحال - تصاعد خروقات الاحتلال في قطاع غزة - تحقيق الاكتفاء الذاتي - ختام المؤتمر الجامع لقبيلة "المقارحة المزاريع" بالشويرف.. والبيان الختامي -
ابحث عن:



صنعاء نيوز - 
لم تعد الأزمة المعيشية في إيران تُقاس فقط بأرقام التضخم أو سعر العملة، بل بصور يومية أكثر قسوة: موظفون يشترون الخبز والبيض

الأحد, 31-مايو-2026
صنعاء نيوز -




لم تعد الأزمة المعيشية في إيران تُقاس فقط بأرقام التضخم أو سعر العملة، بل بصور يومية أكثر قسوة: موظفون يشترون الخبز والبيض بالدَّين، شابات متعلمات يقسّمن بينهن شراء الزيت والجبن والحبوب نسيئة، وعائلات من الطبقة الوسطى لم تعد رواتبها تكفي لأكثر من نصف الشهر.

هذه ليست رواية معارضة إيرانية ولا تقريرًا صادرًا من الخارج، بل خلاصة تقرير ميداني نشرته صحيفة "شرق" الحكومية الإيرانية في 30 مايو، تحت عنوان لافت: "طهران؛ مدينة الجيوب الفارغة". التقرير يفتح نافذة على واقع اقتصادي مأزوم في العاصمة الإيرانية، حيث وصل الفقر إلى قلب الطبقة الوسطى المتعلمة والموظفة، وهي الفئة التي كانت تمثل لعقود عصب الاستقرار الاجتماعي والثقافي والاقتصادي في المدن الكبرى.

بحسب ما نقلته الصحيفة، لم يعد راتبان كاملان يكفيان لتغطية نفقات شهر واحد لأسرة صغيرة في طهران. فبعد أسبوعين فقط من تسلم الراتب، تصبح الحسابات البنكية فارغة، وتبدأ مرحلة الاقتراض، أو الشراء بالدَّين، أو الاستغناء القسري عن المواصلات والمواد الغذائية. أحد الأزواج العاملين قال إنهما كانا في السابق يوزعان الدخل بين الإيجار والأقساط والطعام، لكن موجات الغلاء وتجميد الأجور والخوف من فقدان العمل أسقطت هذه المعادلة بالكامل.

وتكشف "شرق" أن الأزمة لم تعد مجرد تراجع في القدرة الشرائية، بل تحولت إلى أزمة كرامة يومية. فزبائن كانوا لسنوات من رواد المتاجر المنتظمين، بملابس أنيقة ومظهر موظفين ومهندسين وأصحاب مهن مستقرة، باتوا يطلبون شراء مواد أساسية بالدَّين، مثل الخبز والبيض والحبوب والزيت ومعجون الطماطم. وبعضهم يختلق أعذارًا لحفظ ماء الوجه، كأن يقول إنه نسي بطاقته المصرفية في المنزل أو إن الشبكة المصرفية معطلة.

وفي مشهد آخر شديد الدلالة، تحدث التقرير عن فتيات شابات متعلمات يعشن في منزل مشترك في طهران، اضطررن إلى تقسيم شراء المواد الأساسية بالدَّين بينهن: واحدة تشتري الزيت ومعجون الطماطم، وأخرى تؤمن الخبز والجبن، وثالثة تشتري الحبوب. هذا النمط من السكن، الذي كان سابقًا رمزًا لاستقلال الشباب المتعلم في العاصمة، تحول اليوم إلى شبكة نجاة اضطرارية في مواجهة تكاليف الإيجار والغذاء.

الأزمة وصلت كذلك إلى المخابز. فقد نقل التقرير عن أحد العاملين في مخبز وسط طهران أن بعض الزبائن، وبينهم موظفون وأشخاص "محترمون" بحسب وصفه، باتوا يطلبون نصف رغيف خبز أو قطعًا صغيرة لأنهم لا يملكون ثمن رغيف كامل. كما أشار إلى أن بعض المتبرعين باتوا يتركون مبالغ لدى المخابز كي يحصل من لا يملك ثمن الخبز على حصته من دون أن تُكسر كرامته أمام الجيران.

وفي محال الفاكهة، لم يعد شراء الكيلوغرامات أمرًا متاحًا لكثير من أبناء الطبقة الوسطى. فبحسب أحد الباعة في منطقة تضم شركات ومكاتب في طهران، أصبح مشهد الزبون الذي يطلب ثلاث تفاحات أو موزتين أو بضع حبات برتقال أمرًا مألوفًا. كما ازدادت ظاهرة شراء الفاكهة الرخيصة أو المتضررة قليلًا، ليس من جانب الفقراء فقط، بل من جانب موظفين وأصحاب مظهر طبقي متوسط يحاولون الحفاظ على الحد الأدنى من التغذية.

ولعل أكثر ما يكشف خطورة المشهد هو ما ذكره أحد أصحاب المتاجر عن ارتفاع سرقة المواد الغذائية الصغيرة، خصوصًا علب التونة، بسبب حجمها الصغير وسعرها المرتفع. وقال إنه اضطر إلى نقل هذه العلب إلى خلفه بعيدًا عن أيدي الزبائن، لكنه أبقى الخبز في الخارج كي يتمكن من لا يملك ثمنه من أخذه.

هذه التفاصيل اليومية لا تعكس فقط مأساة معيشية، بل تكشف عمق الخلل في أولويات نظام ولاية الفقيه. ففي الوقت الذي تعجز فيه عائلات إيرانية عن شراء الخبز والبيض والفاكهة نقدًا، يواصل النظام توجيه موارده إلى الحرس الثوري، وأجهزة القمع، والبرامج الصاروخية والنووية، والميليشيات والتدخلات الإقليمية التي دفعت شعوب المنطقة، وفي مقدمتها دول الخليج، أثمانًا أمنية وسياسية باهظة.

ومن هنا، فإن الأزمة الاقتصادية في طهران ليست شأنًا داخليًا إيرانيًا معزولًا. فالنظام الذي يُفقر شعبه في الداخل هو نفسه الذي يبدد ثروات البلاد على مشاريع النفوذ والتهديد في الخارج. وكلما اشتدت أزمته الداخلية، ازداد ميله إلى تصدير التوتر، وافتعال المواجهات، واستخدام المنطقة كساحة ضغط وابتزاز.

إن عودة دفاتر النسيئة إلى قلب طهران ليست تفصيلًا اجتماعيًا عابرًا، بل إنذار سياسي واضح. فعندما يفقد الموظف والمتعلم والعائلة الصغيرة القدرة على شراء الطعام نقدًا، وعندما تصبح الكرامة رهينة دفتر دَين في سوبرماركت محلي، فإن الأزمة الاقتصادية تتحول تدريجيًا إلى عامل غضب سياسي.

ويحذر مراقبون من أن انهيار الطبقة الوسطى في إيران يعني تآكل إحدى أهم ركائز الاستقرار الاجتماعي. فهذه الطبقة كانت، تاريخيًا، أكثر قدرة على التعبير والمقارنة والمطالبة، وعندما تُدفع إلى حافة البقاء اليومي، فإن غضبها لا يبقى حبيس البيوت والمتاجر.

في ظل استمرار القمع، واتساع الفقر، وانسداد الأفق السياسي، قد تتحول هذه المعاناة المتراكمة إلى موجة احتجاجية جديدة. وإذا التقى هذا الغضب الاجتماعي مع قوة منظمة قادرة على توجيهه، فإن أزمة الخبز والنسيئة لن تبقى مجرد مأساة معيشية، بل قد تتحول إلى أزمة سياسية تطال أصل النظام نفسه.
أضف تعليقاً على هذا الخبر
ارسل هذا الخبر
تعليق
إرسل الخبر
إطبع الخبر
RSS
حول الخبر إلى وورد

ملخصات تغذية الموقع
جميع حقوق النشر محفوظة 2009 - (صنعاء نيوز)