صنعاء نيوز / د. اسامة عبد الرحمن حيدر - ليست كل الجراح تلك التي تتركها السياط على الأجساد، فبعض الجراح أعمق من أن تُرى بالعين، لأنها تُنقش في الروح وتبقى شاهدة على سقوط الإنسانية. والوحشية لا تبدأ لحظة الضرب أو التعذيب، بل تبدأ حين يموت الضمير، وحين يصبح الألم مشهداً عادياً في عيون من يفترض أنهم مصدر الرحمة والحماية.
إن أبشع صور الوحشية ليست تلك التي يرتكبها عدو تجاه عدوه، بل تلك التي تُرتكب بحق طفل لا يملك سوى براءته، وبحق إنسان وضع ثقته فيمن كان يجب أن يكون له سنداً وحصناً. فحين يتحول البيت إلى سجن، والقريب إلى جلاد، والأمان إلى مصيدة، فإن المأساة تتجاوز حدود الجريمة لتصبح انهياراً أخلاقياً وإنسانياً كاملاً.
لكن الوحشية، على قسوتها، ليست دائماً أشد ألماً من الخذلان. فالخذلان هو الوجه الآخر للجريمة؛ ذلك الصمت الذي يسبق الكارثة أو يرافقها. هو أن يرى البعض المأساة ويختاروا السكوت، وأن يسمعوا صرخات الاستغاثة فلا يتحرك فيهم ضمير ولا مسؤولية. الخذلان هو أن ينتظر المظلوم نصيراً فلا يجد إلا الأبواب المغلقة والوجوه المتحجرة.
إن التاريخ لا يخلّد الجناة وحدهم، بل يخلّد أيضاً الذين خذلوا الضحايا، والذين وقفوا على الحياد بينما كانت البراءة تُسحق أمام أعينهم. فالساكت عن الظلم شريك فيه بقدر ما تسمح له قدرته وموقعه، لأن العدالة لا تنهزم بقوة المجرمين فقط، بل أيضاً بصمت الشرفاء.
وفي كل قضية تهتز لها القلوب، يبقى السؤال الأخلاقي الأكبر: كيف وصل الإنسان إلى درجة يفقد فيها رحمته؟ وكيف استطاع البعض أن يناموا مطمئنين بينما كانت البراءة تستغيث؟
إن الوحشية قد تقتل الجسد، لكن الخذلان يقتل الثقة بالإنسان. والضحايا لا يتألمون فقط من يد البطش، بل من غياب اليد التي كان يفترض أن تمتد لإنقاذهم.
ورغم كل ذلك، تبقى العدالة هي الأمل الأخير. فدموع الأبرياء لا تضيع، وصوت المظلوم قد يتأخر لكنه لا يموت، والتاريخ يعلمنا أن الحقيقة قد تُحاصر زمناً، لكنها لا تُهزم إلى الأبد. وسيبقى كل من مارس الوحشية أو شارك في الخذلان مطارداً بحكم الضمير قبل حكم القانون، لأن العدالة الحقيقية لا تسقط بالتقادم، ولا تمحوها الأعذار، ولا تطمسها محاولات الهروب من المسؤولية.
في الجرائم المروعة التي تهز الضمير الإنساني، لا تتجه الأسئلة إلى الفاعل المباشر وحده، بل تمتد إلى كل من كان حاضرًا وشاهدًا وامتلك القدرة على التدخل أو الإبلاغ أو الإنقاذ. فالمجتمعات لا تُقاس فقط بقدرتها على معاقبة الجناة، بل أيضًا بمدى رفضها للصمت أمام الظلم.
إن وجود الإنسان في مسرح مأساة إنسانية يضع عليه مسؤولية أخلاقية لا يمكن التنصل منها. فحين تُسمع صرخات الاستغاثة، أو تُرى آثار التعذيب، أو تظهر مؤشرات الخطر الواضحة، يصبح السكوت سؤالًا أخلاقيًا كبيرًا يحتاج إلى إجابة.
لا يعني ذلك اتهام كل حاضر بارتكاب الجريمة أو تحميله مسؤولية جنائية لم تثبتها المحاكم، فهذه مسألة يحددها القضاء وحده. لكن من حق المجتمع أن يتساءل: أين كانت الرحمة؟ وأين كان الضمير؟ وأين كانت المحاولة الجادة لإنقاذ الضحية؟
إن المأساة لا يصنعها الجلاد وحده، بل يفاقمها أحيانًا الخوف أو اللامبالاة أو الصمت. ولذلك تبقى المسؤولية الأخلاقية قائمة تجاه كل من شاهد المعاناة ولم يسعَ إلى وقفها أو كشفها أو الإبلاغ عنها.
فالعدالة لا تبحث فقط عن اليد التي نفذت، بل تسعى أيضًا إلى كشف الحقيقة كاملة، حتى يعرف المجتمع كيف وقعت المأساة، وكيف كان يمكن منعها، ومن الذي أخفق في واجبه الإنساني عندما كانت البراءة بأمسّ الحاجة إلى من يحميها.
د/ اسامه عبدالرحمن حيدر
|