صنعاء نيوز/ بقلم: د. بكيل محمد الكليبي. -
نسمع بين الحين والأخر ظهور بعض التصرفات الاجتماعية المحزنة التي يحاول أبطالها القفز على الموروث والعادات والتقاليد التي تربينا عليها للأسف، وهي امتداد للتقسيم الطبقي للمجتمع اليمني بشكل عام الذي لازلنا نعيشه إلى اليوم، ولا نستطيع الفكاك منها رغم وجود قناعة راسخة داخلنا بمقتها، إلا أنها متجذرة في نفوسنا، ولا نملك الجراءة الكافية للقفز عليها، لعدة اعتبارات العيب والاصل، والنسب مع أنها ادعاءات لم ينزل بها الله من سلطان، فقط عقدة نفسية غُرست بداخلنا ونمت معنا، ورغم أن التوصيف العنصري تجاه بعض الفئات الاجتماعية، وظيفي ومرتبط بالمهنة التي يشتغلها صاحبها، من منطق تقسم المهن الوظيفية بين مهن محتقره، وغير محتقرة، بالرغم من أننا بحاجة دائمة إلى خدمة أصحاب هذه المهن، من أين نحصل على اللحم، ومن أين نجد بعض الخضروات، ومع ذلك نجد أن الفوائد من هذه السلع التي نحتاجها لا تمنح من يعمل فيها شرف العيش في المجتمع دون احتقار ودونية، والسؤال الملح لماذا لازالت هذه التوصيفات متجذرة في المجتمع على الرغم من أننا نعيش في القرن الواحد والعشرين؟
أن استمرار التقسيم الطبقي العنصري داخل المجتمع اليمني والفرز الفئوي بين مسميات (سيد، قبيلي، مزين...الخ) مرتبط بشكل أساسي بالبيئة التي نعيش فيها وتتجذر فيها العادات والتقاليد ومختلف الأعراف، والخروج منها في الراهن يعد مجازفة كبيرة، لاسيما مع انعدام وجود الدولة وأنا هنا لا أعني الدولة بمفهومها السياسي، بل وجود الدولة بمفهومها الاجتماعي لمعالجة استمرار الفرز الفئوي وانعدام التعريف القانوني بمفهوم المواطنة المتساوية وتوضيح شروطها بعيداً عن الموروث المتوارث الذي نعيشه، وأنا هنا لا ادعي المثالية في التطبيق الفوري لمفهوم المساواة في المواطنة ونبذ العنصرية، وأن كان هناك ضرورة ملحة لمثل ذلك فالجميع يمنيين لا مجال للتفريق بينهم، ومع ذلك نجد أن التدرج في معالجة هذه القضية الاجتماعية، المقيتة، أمر مناسب، لاسيما أن استمرارها يحرم شريحة اجتماعية خدمية كبيرة في المجتمع من حقوق المواطنة المتساوية، ومنحها كامل حقوقها دون انتقاص من أحد.
أننا اليوم بحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى وجود الدولة الاجتماعية الضامنة التي تعمل على صهر المجتمع في بوتقة واحدة، بعيداً عن الفرز العنصري والفئوي المقيت الذي يميز بين أفراد المجتمع على أساس الحرفة أو المهنة التي يعمل فيها صاحبها، ونوسمه بها، وكأنه قدر محتوم أن يعيش أصحاب المهن من جزار، وحلاق، ودوشان، وطبال، حالة من الازدراء الاجتماعي والاحتقار، فما ذنب أولاد هؤلاء المهنيين ولماذا تستمر معاقبتهم بالامتناع عن مصاهرتهم، أو الزواج منهم تحت حجة واهية أنهم فئات اجتماعية ناقصة، فأين النقص فيهم، وماهي الزيادة التي نتمتع بها عليهم، هل المعيار فقط عملهم في المهن التي يحتقرها المجتمع وبالتالي انطبق التحقير عليهم، والسؤال هل هؤلاء يعانون من نقص فيسيولوجي علينا، وأن عملية الانصهار الاجتماعي معهم من بقية الفئات الاجتماعية الأخر، سيترتب عليها عواقب مرتبطة بالجانب الصحي، في هذه الحالة فإن الأمر ليس عنصرية، بل دواعي صحية للحفاظ على المجتمع، إذن أين تكمن المشكلة باعتقادي أن جذور المشكلة تكمن في استمرار المجتمع اعتماد بعض الموروثات والأعراف التي كانت لها ظروفها واستخدامها في حينه، أما اليوم فإن بقائها مرتبط بغياب الوعي الاجتماعي، وغياب التعريف القانوني لمفهوم المواطنة الاجتماعية الذي يقوم على المساواة والعدالة، ومعه انتشار الجهل في أوساط المجتمع بشكل كبير.
وقد يقول قائل أنت يا دكتور تنظر لنا فلماذا ما تبادر أنت وتندمج من خلال تزويج أولادك أو بناتك من هذه الفئات المحتقرة لكسر الموروث والأعراف، في الحقيقة أني لا أدعي المثالية بل أنا ومثلي الكثير من النخب الاجتماعية المثقفة التي ترفض التقسيم والفرز الفئوي وتقسيم المجتمع إلى فئات بل أنا مع المواطنة المتساوية، أما عن استعدادي في لكسر هذا الحاجز الاجتماعي، فأنا في هذا الوقت الصعب لا أمتلك الشجاعة الكافية للدخول في هذه المغامرة التي قد تكلفني الكثير، والسبب وراء ذلك غياب وجود الدولة الضامنة التي تحمي جراءتك لكسر الجمود الاجتماعي، الذي ستقدم عليه، وتشجع عليه بقية أفراد المجتمع.
أن معالجة مثل هذه العنصرية المقيتة لا تتعلق باعتقادي بجراءة شخص أو مغامرته، بل أن الأمر مرتبط بجهود الدولة في معالجة استمرار مثل هذه القضايا الذي أجدها مخالفة في جوهرها لأهداف ثورة 26 سبتمبر عام 1962م، في مفهوم العدالة والمساواة، فواجب الدولة مرتبط بإصدار التشريعات القانونية الملزمة للجميع بدون استثناء لمعالجة مثل هذه القضايا، ليس هذا وحسب، بل أن من واجب الحكومة العمل على كسر الحواجز الموروثة التي تشجع استمرار تقسيم المجتمع إلى طبقات، والعمل ايضاً على تكريم الابطال من الشباب والشابات الذين أقدموا على إلغاء تلك الحواجز بالزواج والاندماج ليكون ذلك بمثابة تشجيع سيدفع العديد من الشباب إلى الاقتداء بمن سبق لكن في حال رعاية الدولة لذلك، أما المغامرة غير معروفة العواقب في الوقت الحالي في نظري أجد شبابها أبطال بكل المقاييس، لأنهم غامروا وهم مدركين ماذا ينتظرهم من عواقب داخل بيئتهم ومحيطهم الاجتماعي الذي يعيشوا فيه، فهناك الكثير والكثير من القصص والماسي المرتبطة والمتعلقة باستمرار احتقر أصحاب المهن، وراح ضحية ذلك الفرز الكثير من الشباب والشابات الذين وجدوا أنفسهم ـ بقصد أو بدون قصد ـ في هذه الساحة الاجتماعية العنصرية الصعبة.
رئيس قسم الإعلام جامعة ذمار. |