shopify site analytics
شريفة على تَشْرِيفِ المُشَرَّفَة مُشْرِفَة/3من3 - الرسائل المبطنة في المحتوى الموجه - لماذا اصطدمت واشنطن بحكم عبد الكريم قاسم في العراق؟ - المنتخب الإسباني تخلى عن شراسته الهجومية في الشوط الثاني.. - سفراء "أم الدنيا" يداوون جراح الكرة العربية بثلاثية حارقة في شباك نيوزيلندا بمونديال - بكاء حسام حسن يُهز استوديو - صندوق تنمية المهارات يؤهل 25قياديا في مجال التخطيط الاستراتيجي - تاريخي ومجنون! الحارس الإيراني علي رضا يدخل موسوعة كأس العالم بأعظم تصدٍّ إعجازي - لقاء تربوي موسع بمدينة البيضاء يناقش استعدادات المدارس الحكومية والأهلية للعام الدراس - عدوان الاحتلال يدمر هدنة غزة -
ابحث عن:



صنعاء نيوز - 

عندما وصل الزعيم العراقي عبد الكريم قاسم إلى السلطة بعد ثورة 14 يوليو تموز 1958 التي أطاحت بالنظام الملكي في العراق

الإثنين, 22-يونيو-2026
صنعاء نيوز -
إيهاب مقبل

عندما وصل الزعيم العراقي عبد الكريم قاسم إلى السلطة بعد ثورة 14 يوليو تموز 1958 التي أطاحت بالنظام الملكي في العراق، لم يكن التغيير مجرد انتقال داخلي للسلطة، بل كان جزءًا من تحولات إقليمية ودولية واسعة شهدها الشرق الأوسط خلال الحرب الباردة. فقد جاءت الثورة في وقت كانت فيه المنطقة منقسمة بين محاور متنافسة: محور غربي تقوده بريطانيا وأمريكا الشمالية، ومحور سوفيتي يسعى إلى توسيع نفوذه، إضافة إلى تيارات قومية عربية وحركات استقلالية كانت ترفض الهيمنة الأجنبية.

بالنسبة لكثير من العراقيين، كان قاسم قائدًا أنهى عهدًا ملكيًا ارتبط بنفوذ بريطاني طويل، ووعد بإقامة دولة أكثر استقلالًا وعدالة اجتماعية. أما في واشنطن، فقد بدا وصوله بداية مرحلة غير مضمونة تهدد مصالح غربية راسخة في العراق والمنطقة. لم يكن قاسم بالضرورة عدوًا لواشنطن بالمعنى المباشر، لكنه أصبح في نظر عدد من المسؤولين الأمريكيين شخصية قد تقود العراق بعيدًا عن التحالفات التقليدية مع الغرب.

نهاية الملكية وخسارة حليف غربي
كان إسقاط الملكية العراقية عام 1958 ضربة قاسية لمصالح بريطانيا وأمريكا الشمالية. فقد كان النظام الملكي، رغم تعقيداته الداخلية، مرتبطًا بالغرب منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة عام 1921. وكان رئيس الوزراء العراقي القوي نوري السعيد من أبرز الشخصيات التي حافظت على علاقات وثيقة مع بريطانيا.

ارتبط العراق ببريطانيا عبر المعاهدة الأنجلو-عراقية لعام 1930، والتي منحت بريطانيا نفوذًا عسكريًا وسياسيًا واسعًا. ورغم أن العراق حصل على الاستقلال الرسمي عام 1932، بقيت العلاقة بين البلدين وثيقة، واستمر العراق ضمن المجال الاستراتيجي الغربي.

كما كان العراق عضوًا في حلف بغداد الذي تأسس عام 1955، وهو تحالف أمني ضم بريطانيا وتركيا والعراق وإيران وباكستان، وكان هدفه الأساسي مواجهة توسع النفوذ السوفيتي في الشرق الأوسط.

لكن وصول قاسم أنهى هذا المسار بسرعة؛ فقد انسحب العراق من حلف بغداد، وبدأ يتجه نحو سياسة خارجية أكثر استقلالًا، وهو ما اعتبرته واشنطن خسارة استراتيجية في منطقة غنية بالنفط وذات أهمية جغرافية كبيرة.

الحرب الباردة والقلق من التقارب مع الاتحاد السوفيتي
كان العامل الأيديولوجي أحد أهم أسباب التوتر بين واشنطن وبغداد خلال حقبة حكم الزعيم قاسم. ففي تلك الفترة، كانت أمريكا الشمالية تنظر إلى العالم من خلال صراع حاد مع الاتحاد السوفيتي. وكانت أي دولة تبتعد عن المعسكر الغربي وتقترب من موسكو تُعامل باعتبارها احتمالًا لخسارة استراتيجية.

لم يكن عبد الكريم قاسم شيوعيًا، ولم يحاول تحويل العراق إلى دولة اشتراكية على النموذج السوفيتي، لكنه أقام علاقات متنامية مع الاتحاد السوفيتي، خاصة في مجال التسليح والتعاون الاقتصادي. وقد أدى ذلك إلى قلق أمريكي، خصوصًا أن العراق كان يمتلك موقعًا مهمًا بالقرب من الاتحاد السوفيتي ومن مناطق حساسة مثل الخليج وإيران.

زاد القلق الأمريكي أيضًا بسبب السماح للحزب الشيوعي العراقي بالنشاط السياسي الواسع خلال السنوات الأولى من حكم قاسم. فقد أصبح الحزب قوة جماهيرية كبيرة، وشارك في الحياة السياسية والنقابية، وهو ما اعتبرته واشنطن علامة على احتمال انجراف العراق نحو اليسار.

النفط العراقي: الصراع على الثروة والنفوذ
كان النفط أحد أهم أسباب التوتر بين عبد الكريم قاسم والقوى الغربية. فقد كان النظام الملكي قد حافظ على امتيازات واسعة لشركات النفط الأجنبية، وهو أمر جعل العراق جزءًا من شبكة المصالح الاقتصادية البريطانية والأمريكية في المنطقة.

في عام 1928، كانت عدة جهات أجنبية تمتلك بشكل مشترك شركة أصبحت تُعرف لاحقًا باسم شركة نفط العراق (IPC). وكانت ملكية الشركة موزعة بين عدد من القوى الدولية: 23.75% لشركة النفط الأنجلو-فارسية (بريطانيا)، و23.75% لشركة رويال داتش شل (هولندا)، و23.75% لشركة البترول الفرنسية (فرنسا)، و23.75% لشركة تطوير الشرق الأدنى (الولايات المتحدة)، إضافة إلى 5% لرجل الأعمال الأرمني كالوست كولبنكيان، الذي باع حصته لاحقًا للشركة الفرنسية.

كان هذا النظام مربحًا للغاية للشركات البريطانية والهولندية والفرنسية والأمريكية، وكان نوري السعيد من أبرز المدافعين عن استمرار هذا الوضع وحماية امتيازات الشركة.

لكن وصول قاسم غيّر هذه المعادلة. فقد بدأ باتخاذ خطوات تهدف إلى إعادة السيطرة العراقية على الثروة النفطية. ففي البداية طالب شركة نفط العراق ببيع 20% من ملكيتها للحكومة العراقية، وزيادة إنتاج النفط العراقي، وتوظيف مدراء عراقيين، والتخلي عن السيطرة على معظم امتيازاتها النفطية.

وعندما لم تستجب الشركة لهذه المطالب، أصدر قاسم " قانون تعيين مناطق الاستثمار لشركات النفط في العراق" رقم 80 في 11 ديسمبر كانون الأول 1961، والذي حدّ بشكل كبير من امتيازات شركة نفط العراق، وحصر حقوقها في المناطق التي كان النفط يُنتج فيها فعليًا فقط. وبذلك استعادت الدولة العراقية السيطرة على نحو 99.5% من مناطق الامتياز غير المستغلة.

أثارت هذه الخطوة غضب الشركات النفطية الغربية والمسؤولين البريطانيين والأمريكيين، الذين طالبوا إدارة الرئيس جون كينيدي بالضغط على حكومة قاسم للتراجع عن هذه السياسة.

ولم يكن تحرك قاسم في قطاع النفط معزولًا عن التغيرات الدولية. ففي سبتمبر أيلول 1960، استضاف العراق مؤتمرًا في بغداد أدى إلى تأسيس منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك)، وهي خطوة ساعدت الدول المنتجة على زيادة قدرتها الجماعية على التأثير في أسواق النفط العالمية، وأضعفت نسبيًا الهيمنة الغربية على قطاع الطاقة.

ولهذا لم تنظر واشنطن إلى سياسات قاسم النفطية باعتبارها مجرد إصلاح اقتصادي داخلي، بل رأت فيها تحديًا مباشرًا لنفوذ الغرب الاقتصادي والاستراتيجي في الشرق الأوسط.

القومية العراقية وسياسة الاستقلال عن الغرب
كان قاسم مختلفًا عن كثير من الزعماء القوميين العرب في ذلك الوقت. فقد رفض مشروع الوحدة العربية الذي قاده الزعيم المصري جمال عبد الناصر، ولم يرغب في أن يصبح العراق تابعًا لأي مركز إقليمي آخر.

بدلًا من ذلك، ركز على بناء دولة عراقية مستقلة سياسيًا واقتصاديًا. إلا أن هذه السياسة المستقلة اصطدمت مع مصالح القوى الغربية، التي كانت تفضل وجود العراق ضمن منظومة التحالفات التي تشكلت بعد الحرب العالمية الثانية.

تنامي شعبية عبد الكريم قاسم داخل العراق
رغم الخلافات السياسية الخارجية، شهدت سنوات حكم قاسم الأولى ارتفاعًا في شعبيته داخل العراق، خصوصًا بين الفقراء والفلاحين والطبقات المهمشة.

نفّذ قاسم قانون الإصلاح الزراعي عام 1958 بهدف تقليص سيطرة كبار الملاك على الأراضي الزراعية، وقد أشرفت على تطبيقه وزيرة البلديات نزيهة الدليمي. كما أطلق مشاريع إسكان كبرى في بغداد هدفت إلى إزالة مناطق العشوائيات وتوفير مساكن لذوي الدخل المحدود، إلى جانب تطوير مناطق في أطراف العاصمة ضمن خطط توسع عمراني مرتبطة بالهجرة المتزايدة من الريف إلى المدينة.

وشملت سياساته أيضًا مشاريع إسكان حكومية محدودة في مدن مثل البصرة والموصل ضمن برامج توزيع الأراضي وبناء وحدات سكنية للفئات الفقيرة، إضافة إلى تنفيذ مشاريع بنية تحتية مثل الطرق والجسور وتوسعة الخدمات البلدية في بغداد وبعض المحافظات.

كما امتدت سياساته إلى قطاع الري، والتي لم تكن مشاريع عمرانية بحتة، لكنها أسهمت عمليًا في إعادة تشكيل الاستيطان الريفي، من خلال إنشاء تجمعات سكنية جديدة للفلاحين المستفيدين.

وارتبطت صورته أيضًا بنمط حياته البسيط؛ إذ كان يمتلك أربع قطع أراضٍ في الصويرة تبرع بها للدولة لبناء مستشفى ومدرسة ومعهد خيري. كما كان يسكن في دار مستأجرة بقيمة 16 دينارًا قرب ساحة الجندي المجهول، وقد هُدمت بعد انقلاب 1963.
كما يُذكر عنه أنه لم يتزوج، ولم يستغل منصبه في توظيف أقاربه إطلاقًا، على خلاف ما كان شائعًا لدى بعض الحكام العراقيين السابقين واللاحقين. وقد اعتمد في التعيينات الحكومية على مبدأ الكفاءة العلمية والاختصاص في اختيار شاغلي المناصب، بدلًا من الاعتبارات العائلية والعشائرية مثل الأخوة والأبناء والأقارب، رغم انتمائه إلى عشيرة ذات امتداد اجتماعي معروف.

هذه الجوانب الشخصية، إلى جانب سياساته الاجتماعية وخطابه القائم على الاستقلال الوطني، ساهمت في تعزيز شعبيته لدى شرائح واسعة من الفقراء والعمال والفلاحين، في حين أثارت في المقابل مخاوف خصومه السياسيين والطبقات التقليدية وبعض القوى الخارجية التي رأت في مشروعه تحولًا اجتماعيًا عميقًا في بنية الدولة العراقية.

الخوف من انتشار الثورة في الشرق الأوسط
بعد ثورة 1958، ظهرت في واشنطن مخاوف مما كان يسمى آنذاك "تأثير الدومينو". فقد خشيت واشنطن من أن يؤدي صعود نظام ثوري في العراق إلى انتشار موجة مشابهة في دول حليفة للغرب مثل الأردن والكويت.

وتقول مذكرات ووثائق من تلك الفترة أشياء مثل: "الوضع في الكويت هش جدًا نتيجة الانقلاب في العراق، وهناك احتمال قوي بانتشار العدوى الثورية إليها".

كما اتخذ قاسم موقفًا مؤيدًا للفلسطينيين ضد ما يسمى "إسرائيل"، موقفًا لم يكن سيجعله محبوبًا في أمريكا الشمالية، واتخذ أيضًا موقفًا مؤيدًا للجزائريين ضد فرنسا.

وكان معاديًا لشاه إيران المتحالف مع لندن وواشنطن، وطرح مطالب إقليمية بشأن الأحواز/خوزستان وكردستان الإيرانية.

وبالنظر إلى هذا التغيير الكبير خلال فترة قصيرة في السياسات الداخلية والخارجية للعراق، فليس من المستغرب أن يشعر السياسيون الأمريكيون بالقلق تجاه الزعيم عبد الكريم قاسم.

هل كان قاسم عدوًا لواشنطن؟
لم يعلن الزعيم عبد الكريم قاسم حربًا على واشنطن، ولم يكن تابعًا بالكامل للاتحاد السوفيتي. كانت سياسته أقرب إلى محاولة بناء عراق مستقل عن النفوذ البريطاني والأمريكي مع الاستفادة من علاقات دولية متعددة.

لكن من منظور الحرب الباردة، كانت واشنطن ترى أن فقدان العراق كحليف غربي، وتقاربه مع موسكو، وسيطرته المتزايدة على النفط، وصعود القوى اليسارية داخله، كلها مؤشرات على تحول استراتيجي خطير.

ولهذا أصبح قاسم بالنسبة لبعض دوائر السياسة الأمريكية يمثل تحديًا يجب احتواؤه.

من القلق السياسي إلى تغيير النظام: الانقلاب على قاسم عام 1963
مع تصاعد الخلاف بين حكومة عبد الكريم قاسم والقوى الغربية، لم يبقَ الصراع في إطار الاختلاف الدبلوماسي والسياسي فقط، بل بدأ يتحول إلى بحث عن بدائل داخلية لإسقاط نظامه. فقد أصبحت حكومة قاسم، في نظر بعض الدوائر الأمريكية، تمثل خطرًا متزايدًا على المصالح الغربية في العراق، بسبب تقاربها مع الاتحاد السوفيتي، وسياساتها النفطية المستقلة، وصعود القوى اليسارية داخل البلاد.

في عام 1962، بدأ كل من حزب البعث العربي الاشتراكي ووكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA) — وفقًا لعدد من المؤرخين والباحثين — بالعمل على إيجاد طرق للإطاحة بقاسم. وتشير بعض الدراسات إلى أن مسؤولين في الحكومة الأمريكية سعوا إلى بناء علاقات داعمة مع قادة بعثيين ومع شخصيات عراقية أخرى كانت معارضة لقاسم.

في 8 فبراير شباط 1963، نجح حزب البعث وعدد من الضباط المناهضين لقاسم في تنفيذ انقلاب عُرف باسم ثورة رمضان، أدى إلى إسقاط حكومته وإنهاء حكمه. وقد بقي هذا الانقلاب موضع جدل تاريخي طويل بسبب الشبهات حول وجود دعم أو معرفة أمريكية مسبقة به.

حتى اليوم، لا تزال بعض الوثائق المتعلقة بعمليات وكالة الاستخبارات المركزية في العراق خلال تلك الفترة غير منشورة بالكامل. ولذلك يختلف الباحثون في تفسير حجم الدور الأمريكي: هل كان مجرد مراقبة وتأييد سياسي؟ أم أنه وصل إلى مستوى المساعدة العملية في التخطيط؟

يرى المؤرخ برايان آر. غيبسون أن هناك قبولًا واسعًا بين بعض الباحثين بأن وكالة الاستخبارات المركزية ساعدت حزب البعث في الإطاحة بنظام قاسم، لكنه يشير في الوقت نفسه إلى أن الأدلة المتاحة لا تثبت بشكل قاطع أن الوكالة هي التي أدارت أو نفذت انقلاب فبراير شباط 1963.

أما المؤرخ بيتر هان، فيرى أن الوثائق الحكومية الأمريكية التي أُزيل عنها طابع السرية لا تقدم دليلًا مباشرًا على تدخل أمريكي في تنفيذ الانقلاب.

في المقابل، يرى باحثون آخرون مثل براندون وولف-هونيكت أن هناك "أدلة قوية" تشير إلى وجود دور أمريكي، وأن الوثائق المتاحة تدعم احتمال تورط وكالة الاستخبارات المركزية في دعم الانقلاب. كما يشير إريك جاكوبسن، بالاستناد إلى شهادات بعثيين ومسؤولين أمريكيين من تلك الفترة، إلى وجود أدلة على أن الوكالة لم تكن فقط على اتصال بالبعث العراقي، بل ربما ساعدت أيضًا في التحضير للانقلاب.

أما المؤرخ ناثان ج. سيتينو فيطرح موقفًا أكثر حذرًا، إذ يرى أن واشنطن دعمت الحركة التي قادها ضباط مرتبطون بحزب البعث والقوميين العرب والتي أطاحت بقاسم، لكنه يؤكد أن حجم المسؤولية الأمريكية الكاملة لا يمكن تحديده اعتمادًا على الوثائق المتوفرة فقط. ويضيف أن واشنطن ربما لم تبدأ انقلاب 14 رمضان، لكنها على الأقل لم تكن معارضة له، وربما ساهمت في الظروف التي سمحت بحدوثه.

وبصورة عامة، يصعب الجزم بأن واشنطن "نظّمت" انقلاب 1963 ضد عبد الكريم قاسم بصورة مباشرة، إذ لا توجد حتى الآن وثائق علنية حاسمة تثبت أن وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية كانت العقل المدبر للعملية أو أنها أدارت تنفيذها. إلا أن من الواضح أن واشنطن كانت تنظر إلى قاسم باعتباره شخصية غير مرغوب فيها بسبب سياساته التي اعتبرتها تهديدًا لمصالحها الاستراتيجية في العراق والمنطقة.

خاتمة
في المحصلة، لا يمكن فهم موقف واشنطن من عبد الكريم قاسم بوصفه صراعًا شخصيًا أو قرارًا آنيًا، بل كجزء من منظومة أوسع حكمت تفكير أمريكا الشمالية خلال الحرب الباردة، حيث كانت المصالح الاستراتيجية—النفط، والتحالفات الإقليمية، واحتواء النفوذ السوفيتي—هي البوصلة الأساسية لصنع القرار.

لقد مثّل قاسم نموذجًا لزعيم خرج عن النسق التقليدي للعلاقات مع الغرب، وبدأ بإعادة صياغة موقع العراق سياسيًا واقتصاديًا على أسس الاستقلال الوطني وإعادة توزيع الثروة. وهذا المسار، رغم ما حققه من شعبية داخلية وإصلاحات اجتماعية ملموسة، وضعه في مواجهة مباشرة مع شبكة مصالح إقليمية ودولية اعتبرت هذا التحول تهديدًا لا يمكن تجاهله.

ومن هنا، فإن السؤال ليس فقط لماذا رأت واشنطن قاسم خصمًا، بل لماذا يصبح أي مشروع سياسي يسعى إلى إعادة تعريف العلاقة مع الثروة والنفوذ في منطقة حساسة مثل العراق سريعًا جزءًا من حسابات الصراع الدولي. فبين من رآه قائدًا إصلاحيًا يسعى لبناء دولة مستقلة، ومن رآه تهديدًا لتوازنات قائمة، ظل قاسم في قلب جدل تاريخي مفتوح حتى اليوم.

وبذلك يمكن القول إن تجربة عبد الكريم قاسم لم تكن مجرد مرحلة حكم قصيرة، بل لحظة مفصلية كشفت تعقيدات العلاقة بين الإرادة الوطنية العراقية وبين حسابات القوى الكبرى، وهي تعقيدات ما تزال آثارها حاضرة في فهم تاريخ العراق الحديث وسياساته حتى الآن.

المراجع
مور، جون د. (2026). النفط والسياسة في العراق: الصراع من أجل الدولة.

وولف-هونيكوت، براندون (2021). الأسلوب القَلِق في الدبلوماسية الأمريكية: النفط والقومية العربية في العراق. مطبعة جامعة ستانفورد. ص 86–87، 93–117.

سيتينو، ناثان ج. (2017). "محكمة الشعب" ضمن كتاب تصور المستقبل العربي: التحديث في العلاقات الأمريكية–العربية، 1945–1967. مطبعة جامعة كامبريدج. ص 182–183، 218–219.

إسماعيل، طارق ي.؛ إسماعيل، جاكلين س.؛ بيري، غلين إي. (2016). حكومة وسياسة الشرق الأوسط المعاصر: الاستمرارية والتغيير (الطبعة الثانية). روتليدج. ص 240.

وولف-هونيكوت، براندون (2015). "احتضان تغيير النظام في العراق: السياسة الخارجية الأمريكية وانقلاب 1963 في بغداد". مجلة التاريخ الدبلوماسي. المجلد 39، العدد 1، ص 98–125.

غيبسون، برايان آر. (2015). "باعوا أنفسهم؟ السياسة الخارجية الأمريكية، العراق، الأكراد، والحرب الباردة". نيويورك: بالغرِيف ماكميلان.

جاكوبسن، إريك (2013). "تلاقي المصالح: كينيدي، المساعدات الأمريكية، والنظام البعثي في العراق عام 1963". مجلة التاريخ الدبلوماسي. المجلد 37، العدد 5، ص 1029–1059.

ماثيوز، ويلدون سي. (2011). "إدارة كينيدي، مكافحة التمرد، والنظام البعثي الأول في العراق". المجلة الدولية لدراسات الشرق الأوسط. المجلد 43، العدد 4، ص 635–653.

هان، بيتر (2011). مهمة مُنجزة؟: الولايات المتحدة والعراق منذ الحرب العالمية الأولى. مطبعة جامعة أكسفورد. ص 48.

أوسغود، كينيث (2009). "إيزنهاور وتغيير النظام في العراق: الولايات المتحدة والثورة العراقية عام 1958" ضمن كتاب أمريكا والعراق: صنع السياسات، التدخل والسياسة الإقليمية. روتليدج. ص 16.

بارت، روبي سي. (2007). الشرق الأوسط الأوسع والحرب الباردة: السياسة الخارجية الأمريكية في عهد إيزنهاور وكينيدي. آي. بي. توريس. ص 451.

مفتي، مالك (1996). كيانات ذات سيادة: القومية العربية والنظام السياسي في سوريا والعراق. مطبعة جامعة كورنيل.

ميتز، هيلين تشابين (محرر) (1988). العراق: دراسة قطرية. واشنطن: مطبعة الحكومة الأمريكية (GPO) لصالح مكتبة الكونغرس.

انتهى
أضف تعليقاً على هذا الخبر
ارسل هذا الخبر
تعليق
إرسل الخبر
إطبع الخبر
RSS
حول الخبر إلى وورد

ملخصات تغذية الموقع
جميع حقوق النشر محفوظة 2009 - (صنعاء نيوز)