صنعاء نيوز - من جنازة خامنئي إلى فساد العراق: شبكة نفوذ طهران تحت المجهر
تكشف تطورات الأيام الأخيرة، بين إيران والعراق، صورة تتجاوز مجرد مراسم دفن في طهران أو حملة لمكافحة الفساد في بغداد. فمن جهة، يحاول النظام الإيراني تحويل دفن علي خامنئي إلى استعراض سياسي وأمني ضخم، تُنفق عليه موارد هائلة في بلد يعاني فيه ملايين المواطنين من الفقر والغلاء. ومن جهة أخرى، تهزّ العراق فضيحة فساد واسعة تطال مسؤولين ونواباً وشبكات مالية يُشتبه بارتباطها بتمويل جماعات مسلحة وتهريب الدولار والنفط، بما يخدم نفوذ طهران داخل العراق.
ورغم اختلاف المكان والسياق، يلتقي المشهدان عند نقطة واحدة: مشروع ولاية الفقيه لم يكن مجرد سلطة داخل إيران، بل منظومة قائمة على القمع في الداخل، ونهب الموارد، وتصدير الفساد والميليشيات إلى الخارج.
في إيران، لم تكن مراسم دفن خامنئي حدثاً عادياً. فالتجهيزات الواسعة، وإغلاق طرق وأسواق ومؤسسات، وتحويل الشوارع إلى ما يشبه الحالة الأمنية، عكست خوف النظام من الشارع أكثر مما عكست حزناً شعبياً. فقد أُغلقت أجزاء من الأسواق والطرق الرئيسية، ونُشرت حواجز وكتل إسمنتية واسطوانات مرورية في مسارات واسعة، بما بدا أقرب إلى ترتيبات أمنية لمنع أي انفجار شعبي محتمل.
واللافت أن النظام، الذي يعجز عن توفير الحد الأدنى من الحياة الكريمة لملايين الإيرانيين، حرّر خلال ليلة واحدة كميات ضخمة من المواد الغذائية لمواكب حكومية، بينها آلاف الأطنان من الأرز والزيت واللحوم، وملايين الأرغفة، إضافة إلى إقامة مواكب وخيام ومرافق مؤقتة على حساب المال العام. يحدث ذلك في وقت يشكو فيه المتقاعدون والعمال والفقراء من أن رواتبهم لا تكفي سوى أيام قليلة، وأن الخبز والدواء والسكن باتت أعباءً يومية لا تُطاق.
هذه المفارقة تكشف جوهر الأزمة: النظام لا ينفق لإطعام الناس، بل لإنتاج مشهد سياسي. لا يفتح المخازن للفقراء، بل لاصطناع جمهور موالٍ. ولا يحرّك إمكانات الدولة لخدمة الشعب، بل لتلميع جثمان رجل ارتبط اسمه بالقمع والإعدامات وتصدير الأزمات.
لكن الرد الشعبي جاء مختلفاً عن رواية الإعلام الرسمي. فبينما حاول النظام فرض مشهد حداد شامل، واصل كثير من الناس حياتهم بصورة طبيعية، وتوجه آخرون إلى شمال البلاد في عطلة، في إشارة إلى اتساع الفجوة بين المجتمع والنظام. كما جاءت تحركات وحدات المقاومة في عشرات النقاط لتؤكد أن الشارع لم يدخل حالة الصمت التي أرادتها السلطة.
العراق: الوجه الآخر للمشروع نفسه
في المقابل، يشهد العراق فصلاً آخر من فصول نفوذ النظام الإيراني، لكن هذه المرة من بوابة الفساد المالي والسياسي. فقد كشفت تقارير إعلامية عربية عن اعتقال 17 مسؤولاً ونائباً في بغداد، ضمن ملفات تتعلق بغسل الأموال، وتمويل جماعات مسلحة، وتهريب الدولار والنفط، وهي ملفات ترتبط، بحسب هذه التقارير، بشبكات نفوذ ومصالح قريبة من النظام الإيراني.
وأشارت تقارير إعلامية إلى العثور على ملايين الدولارات والذهب داخل فيلات ومقار مسؤولين، في حين تحدثت صحيفة الشرق الأوسط عن ضبط 11 مليون دولار و4 مليارات دينار، ضمن حملة وُصفت بأنها لا تستهدف الفساد الإداري فحسب، بل تسعى أيضاً إلى الحد من نفوذ طهران داخل المؤسسات الأمنية والنفطية العراقية.
والأخطر أن بعض المعتقلين أو المتهمين، وفق ما نقلته وسائل إعلام عربية، كانوا مرتبطين بملفات تسهيل تهريب النفط الإيراني عبر وثائق عراقية مزورة، بهدف الالتفاف على العقوبات الدولية. وهذا يعني أن الفساد في العراق لم يكن مجرد سرقة محلية، بل جزءاً من اقتصاد سياسي موازٍ يخدم بقاء شبكات مرتبطة بالحرس الثوري وفيلق القدس.
كما أشارت تقارير أخرى إلى أن قادة ميليشيات موالية لطهران تمكنوا خلال السنوات الماضية من التغلغل في البرلمان والاقتصاد، وتأسيس هولدينغات وشركات ضخمة امتدت إلى قطاعات حيوية، بما يجعل استمرار الاعتقالات الحالية دخولاً إلى “منطقة محرمة” تمس شبكات القوة والنفوذ في بغداد.
من المال العام إلى نفوذ الميليشيات
ما يربط بين مشهد دفن خامنئي في إيران وفضيحة الفساد في العراق هو أن المال العام، في الحالتين، يتحول إلى أداة سياسية. ففي الداخل الإيراني، يُستخدم المال لإنتاج مشهد ولاء مصطنع حول جثمان خامنئي. وفي العراق، تكشف التحقيقات أن المال المنهوب والتهريب وشبكات المصالح تحولت إلى مصادر تمويل لقوى مسلحة ومراكز نفوذ مرتبطة بطهران.
وهذا ما يجعل المعركة في العراق أكبر من مجرد مكافحة فساد. فهي معركة على سيادة الدولة، وعلى حصر السلاح بيد المؤسسات الرسمية، وعلى قطع شرايين التمويل التي سمحت للميليشيات بأن تصبح قوة موازية للدولة.
فإذا كانت طهران تحاول اليوم استخدام جثمان خامنئي في العراق لإظهار أن نفوذها ما زال قائماً، فإن ملفات الفساد التي تنكشف في بغداد تقول شيئاً آخر: هذا النفوذ لم يقم فقط على الشعارات الدينية والسياسية، بل على شبكات المال والتهريب والولاءات، وهي شبكات بدأت الآن تظهر أمام الرأي العام العراقي والعربي.
نهاية صورة القوة
يريد النظام الإيراني أن يقدّم نفسه، بعد خامنئي، كقوة لا تزال قادرة على الحشد والسيطرة. لكن الواقع يكشف عكس ذلك. في الداخل، يحتاج إلى تعبئة قسرية ومواكب ممولة وأجواء أمنية كي يصنع صورة الحزن. وفي الخارج، تظهر فضائح الفساد في العراق كيف تمدد مشروعه عبر المال المنهوب والميليشيات والتهريب.
لذلك، فإن ما يجري اليوم لا يكشف فقط أزمة دفن رجل حكم إيران بالحديد والنار، بل يكشف أزمة مشروع كامل؛ مشروع حاول أن يلبس لباس الدين، لكنه ترك وراءه شعوباً فقيرة، ودولاً مخترقة، وميليشيات مسلحة، وثروات منهوبة.
من طهران إلى بغداد، تبدو الصورة واحدة: نظام يشيّع رأسه السياسي وسط خوف داخلي، وشبكات نفوذه في الخارج تواجه انكشافاً غير مسبوق. وبين الجثمان في إيران وفضائح الفساد في العراق، تتضح حقيقة أساسية: أزمة طهران لم تعد قابلة للدفن، لا في مشهد ولا في النجف ولا في بغداد.
|