صنعاء نيوز صوت اليوم - **
يقول احد الشعراء :
وتأنسُ النفسُ بالنفسِ التي اتفقتْ
بالفكرِ والطبعِ والغاياتِ والقِيَمِ
وما أعمق هذا المعنى، فقد تلتقي في حياتك مئات الوجوه، وتجلس في مجالس كثيرة، وتخوض أحاديث لا تُحصى، ثم تمر بك نفسٌ واحدة، فتشعر أن المسافات اختصرت نفسها، وأن الحديث معها لا يحتاج إلى كثير شرح، وأن صمتها أحياناً أكثر فهماً من كلام الآخرين ..
فالقلوب لا تألف كل من اقترب، إنها تميل إلى من يشبه عمقها، وتأنس بمن يشاركها المعنى، وترتاح لمن تتقاطع معه في الفكر والطبع والغايات والقيم ..
هناك أشخاصٌ تتعب وأنت تشرح لهم أبسط ما فيك، وتزن كلماتك قبل أن تقولها، وتدافع عن نواياك بعد كل موقف ..
وهناك من يفهم نصف عبارتك، ويلتقط ما سقط من صوتك، ويقرأ خلف هدوئك ما عجز الكلام عن قوله ..
وهنا يكمن سر الأُنس، أن تجد إنساناً لا تضطر أمامه إلى إعادة صياغة روحك كي تُفهم، ولا إلى تخفيف عمقك كي تُقبل، ولا إلى ارتداء شخصية تناسب مجلسه ..
فالتوافق الحقيقي أعمق من تشابه الاهتمامات ..
إنه لقاء عقلين يحترمان الاختلاف، وقلبين يعرفان قيمة الطمأنينة، وروحين تسيران نحو الحياة بقيمٍ متقاربة، حتى يصبح القرب راحةً، والحديث وطناً، والصمت مساحةً آمنة ..
ومع العمر تدرك أن كثرة من حولك لا تعني الأُنس، فقد تجلس وسط الزحام وتشعر بالغربة، وقد تجلس إلى شخصٍ واحد فتشعر أن روحك عادت من سفرٍ طويل ..
لهذا، لا تبحث عمن يملأ فراغ وقتك، ابحث عمن يملأ حضورك معنى ..
فبعض البشر نلتقيهم في الطريق، وبعضهم نشعر، منذ اللقاء الأول، أن أرواحنا كانت تعرف الطريق إليهم ..
✍🏻*د. سلطان الهاجري* |