صنعاء نيوز/ بقلم د. غسان شحرور -
هناك اشخاص لا يدخلون حياتنا بصوت مرتفع، لكن حضورهم يبقى بعد غيابهم. لا يطلبون الانتباه، لان طريقتهم في التعامل مع الناس والعمل تترك اثرا خاصا عميقا. كانت هدى يوسف حنا واحدة من هؤلاء الاشخاص الذين يتركون في الذاكرة ضوءا هادئا لا ينطفئ.
عرفتها في المراكز الثقافية بدمشق. كنت اراها تصل الى الندوات والفعاليات بهدوئها المعروف، تحمل دفترا صغيرا وقلما لا يفارق يدها. كانت خطواتها بطيئة، لكن عينيها كانتا تتابعان كل تفصيل. تجلس، تنصت، وتدون ملاحظاتها بدقة، كأنها تضيف من خبرتها الى اللحظة الثقافية نفسها.
كانت غالبا تختار الصفوف الامامية. وبعد احد اللقاءات قالت لي بهدوئها المعتاد: “لا تنس ان تخبرني عن اي ندوة او نشاط ثقافي تنظمه، فانا احب ان اكون حاضرة.” بقيت هذه العبارة في ذاكرتي، لانها لخصت علاقتها بالثقافة: حضور نابع من التزام، لا من رغبة في موقع او ظهور.
لم تغير السنوات اهتمامها بالمعرفة. كانت تقرا باستمرار، وتتابع ما يكتب، وتسأل عن المشاريع الثقافية الجديدة. وعندما تتحدث، كانت كلماتها قليلة لكنها محكمة، تعكس خبرة انسان عاش مراحل كثيرة وحمل معها ذاكرة واسعة.
في لقاء آخر، قدمت لي كتابا صغيرا بعنوان “صوت الملاجئ”. كان تاريخ نشره عام 1951. لفتني ان هذا العمل كتب في وقت مبكر، حين كانت تجربة اللجوء الفلسطيني لا تزال في بداياتها. قالت لي انها كتبته “بقطرات من قلبي”. كانت العبارة تلخص علاقتها بالكتابة: كتابة تستعيد ما يهدده الغياب، وتمنح الذاكرة صوتا لا يطفأ.
مع مرور الوقت، بدأت اتعرف اكثر الى مسار حياتها. ولدت عام 1922 في بلدة الرامة بقضاء عكا. تلقت تدريبها التربوي في القدس، ودرست الشؤون الاجتماعية في القاهرة، ثم حصلت على مؤهل قانوني في لندن. وبعد نكبة عام 1948 استقرت في دمشق، حيث عملت في التعليم وتولت ادارة مدرسة تابعة للاونروا.
لكن مسيرتها لم تتوقف عند التعليم. فقد عملت سنوات طويلة في الخدمة الاجتماعية في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في حلب واللاذقية ودرعا. كما عملت في الترجمة من الانجليزية الى العربية، واسهمت في تأسيس جمعية نسائية في القنيطرة نظمت لقاءات ادبية ومحاضرات عامة ودورات اسعاف اولي. وكانت عضوا في اتحاد الكتاب العرب واتحاد الصحفيين الفلسطينيين.
في عام 2004، شاركت في مهرجان فرانكفورت وقدمت محاضرتها “فلسطين… مهما طال الزمن سنلتقي”. كان العنوان امتدادا لطريقتها في الحديث عن فلسطين: ليس كشعار، بل كجزء من تجربة حياتية طويلة.
كانت هدى تنتمي الى جيل من النساء الفلسطينيات اللواتي وجدن في التعليم والكتابة وسيلة لحفظ الذاكرة. لم تكن اعمالها “صوت الملاجئ” و"العودة من بعيد” مجرد نصوص ادبية، بل شهادات انسانية تحفظ ما قد يضيع، وتعيد الى التجربة صوتها الاصلي.
كان اخر لقاء لي بها ، على ما أذكر، في مركز اليرموك الثقافي عام 2012. جاءت تحمل اوراقا لمخطوط جديد، وكانت تتحدث بحماس عن روايتها “لبيك يا فلسطين”. لفتني يومها ان اهتمامها بالمستقبل لم يكن اقل من اهتمامها بالماضي. كانت تريد ان تقرا المزيد، وتتابع الكتاب الجدد، وتناقش الافكار الجديدة.
قالت لي مرة ان “الموسيقى الوحيدة التي تسمعها في داخلها هي فلسطين”. بقيت هذه العبارة في ذاكرتي، لانها لم تكن مجرد تعبير عن حنين، بل وصفا لعلاقة طويلة بين الانسان والمكان والذاكرة.
كانت اسرتها سندا كبيرا لها، لكن فلسطين ظلت مركز حياتها. وحين سئلت ذات يوم ان كانت فلسطين اعز عليها من ابنائها، اجابت: “طبعا. هذا الوطن هو الذي اعطاني ابنائي.” كانت العبارة تعبيرا عن فهمها العميق للعلاقة بين الوطن والعائلة، لا مفاضلة بينهما.
اكثر ما بقي في ذاكرتي عنها هو سخاء روحها. لم تكن تتحدث عن الشهرة او المكانة الادبية. كان اهتمامها منصبا على ان تصل الكتابة الى الناس، وان يبقى الحوار الثقافي حيا. وكانت تمتلك ذلك المزيج النادر من المعرفة والتواضع والرغبة في المشاركة.
عندما اتذكر هدى يوسف حنا اليوم، لا اتذكر فقط الكتب التي كتبتها او الاماكن التي عملت فيها، بل اتذكر صورتها وهي تجلس في قاعة ثقافية، تحمل دفترها الصغير، وتنتظر بداية محاضرة جديدة. ربما كان هذا هو الدرس الاكثر هدوءا الذي تركته: ان الشغف بالمعرفة لا يرتبط بعمر، وان بعض الاشخاص يحافظون على حضورهم بما يتركونه في ذاكرة من عرفهم، لا بما يقولونه عن انفسهم.
“عرفتهم” زاوية ثقافية دورية يكتبها الدكتور غسان شحرور.
|