صنعاء نيوز -
بقلم د. غسان شحرور
هناك أشخاص، مهما عبرنا لهم في حياتهم عن الامتنان والاحترام، يبقى يوم رحيلهم يذكرنا بحقيقة واحدة: ليتنا فعلنا أكثر. ليتنا شكرناهم أكثر، وتحدثنا عن أثرهم أكثر، وقلنا لهم وهم بيننا ما نقوله بعد رحيلهم.
ومن هؤلاء الدكتور طه أحمد طلعت؛ الطبيب والإنسان والرائد، الذي ترك اثرا عميقا في العمل الطبي والانساني والاجتماعي، ليس في السودان وحده، بل في العالم العربي ايضا.
وتكفي بعض محطات سيرته لتدل عليه:
* من مواليد ام درمان عام 1934.
* زميل كلية الجراحين الملكية للاذن والانف والحنجرة في ادنبرة عام 1967.
* عمل استاذا بكلية الطب في جامعة الخرطوم.
* اسس الجمعية القومية السودانية لرعاية الصم، واول معهد لتعليم وتأهيل الصم في السودان، واسهم في انشاء معاهد الامل في مختلف الولايات.
* تولى رئاسة جمعية الهلال الاحمر الفلسطيني، ونقابة اطباء السودان، وكان اول رئيس لجمعية اطباء الاذن والانف والحنجرة السودانية.
* اسس جمعية الاسعاف السودانية، ودعم انشاء الرابطة النسوية للنساء الصماوات.
* الف عددا من الكتب والدراسات، ونال العديد من الجوائز، كان اخرها جائزة الصحة العربية عام 2015.
عرفته اول مرة من خلال مراسلاتي مع الجمعية القومية السودانية لرعاية الصم التي كان يرأسها، حين كنت اتواصل معه باسم اللجنة التنفيذية للاتحاد العربي للهيئات العاملة مع الصم في دمشق. ثم جمعتنا اجتماعات ومؤتمرات عربية عديدة، ازددت خلالها معرفة بهذا الانسان الاستثنائي.
كان مثالا للتواضع السوداني الاصيل. ففي احد المؤتمرات العربية التي شاركت في تنظيمها، بحثت عنه بين المقاعد الامامية فلم اجده، ثم اكتشفت انه اختار الجلوس بين الشباب القادمين من جمعيات الصم في مختلف ولايات السودان. كان يحاورهم، ويستمع الى تجاربهم، ويمنحهم شعورا بأنهم شركاء حقيقيون في العمل، لا مجرد حضور في قاعة مؤتمر.
وفي اجتماعات مجلس ادارة الاتحاد العربي للهيئات العاملة مع الصم، كان يكرر الحديث عن تجربة السودان في الكشف المبكر عن فقدان السمع والتأهيل المبكر للاطفال الصم واسرهم. لم يكن يطرح ذلك باعتباره مشروعا طبيا فحسب، بل كان يراه استثمارا في مستقبل الانسان وكرامته. كان يؤمن بأن التدخل المبكر يفتح للاطفال ابواب التعليم والاندماج والاستقلال، ويمنح اسرهم فرصة لبناء حياة اكثر استقرارا واملا. ولم يكن هذا الحديث يتغير مع مرور السنوات، لان قناعته لم تتغير يوما.
وخلال احاديثنا الشخصية، تأثرت كثيرا عندما حدثني عن معاناته الطويلة مع التهاب الكبد منذ شبابه، وعن العملية الكبرى التي خضع لها لزراعة الكبد. ومع ذلك، لم يسمح للمرض بأن يحد من عطائه، بل واصل العمل سنوات طويلة بروح مدهشة، حتى بدا وكأن التجربة زادته اصرارا على خدمة الآخرين.
رحل الدكتور طه احمد طلعت في الاول من كانون الاول/ديسمبر 2018، بعد حياة حافلة بالعطاء. وبرحيله فقدت الجمعية القومية السودانية لرعاية الصم مؤسسها، وفقد الاتحاد العربي للهيئات العاملة مع الصم احد ابرز رواده، كما فقدت المؤسسات الطبية والانسانية في العالم العربي شخصية كرست حياتها لخدمة الانسان.
ومع مرور السنوات، لا تزال صورته حاضرة في ذاكرتي: ذلك الطبيب الذي اختار الجلوس بين الشباب، وذلك الرائد الذي كان يتحدث بإيمان لا يتزعزع عن حق الاطفال الصم في الاكتشاف المبكر والتأهيل المبكر، وذلك الانسان الذي لم يسمح لمرضه بأن يسرق منه رسالته.
وفي ذكرى رحيله، لا املك الا ان اقول:
ليتني فعلت اكثر.
"عرفتهم" زاوية ثقافية دورية يكتبها د. غسان شحرور.
“I Knew Them”: A Cultural Recurrent Editorial by Dr. Ghassan Shahrour
|