shopify site analytics
بين ساحات الوطن وفنادق الرياض: عندما ينقلب المنطق وتضطرب المفاهيم! - يا أهلَ القواعدِ لا مُقامَ لكم بها، رسالة إلى جُند الشيطان الأكبر. - تصنيف بريطانيا للحرس الثوري إرهابياً: صفعة مدمّرة لركيزة القمع - عدن.. المؤتمر الدولي الأول للتحول الرقمي يواصل أعماله في يومه الثاني - العراق.. بلد يطفو على بحر من النفط ويغرق في الظلام - من الذي قتل سعد بن عبادة, الجن ام البشر؟ - الأرق: عندما يتحول الليل إلى ساحة صراع مع العقل - عرفتهم: د. طه أحمد طلعت... ليتني فعلت أكثر - نقابة حق للعمال و إرادة ورغبة - الحدود الجنوبية الليبية تحت المراقبة بالمسيرات التركية "آقنجي" المتطورة -
ابحث عن:



صنعاء نيوز - 
 
 في أقاصي الشام، حيث يتشابك صمتُ حوران بمهابة التاريخ وتلتقي أطرافُ بُصرى بأسرار البادية العتيقة، انطفأت أسطورةُ رجلٍ لم تعتد هاماتُ التاريخ

الأربعاء, 22-يوليو-2026
صنعاء نيوز/ الكاتب/اسعد عبدالله عبدعلي -



في أقاصي الشام، حيث يتشابك صمتُ حوران بمهابة التاريخ وتلتقي أطرافُ بُصرى بأسرار البادية العتيقة، انطفأت أسطورةُ رجلٍ لم تعتد هاماتُ التاريخ إلا على الانحناء لمكانته وكبريائه؛ هناك، بعيداً عن دياره التي احتضنت الإسلام في مهدِه، قضى الصحابي الجليل، سَيّدُ الخزرج وحاملُ لواء الأنصار، سعدُ بن عبادة (رضي الله عنه).
لم تكن مغادرته لثَرى المدينة المنورة واستقراره في أطراف الشام مجرد رحيلٍ جغرافيٍّ عابر، بل كانت تحولاً درامياً فارقاً في سِفْر الخلافة المبكّر؛ إذ اعتزل صفوف البيعة عقب وفاة النبي الأعظم ﷺ واشتعال فتنة السقيفة التي رأى فيها انحرافاً عن الوصية النبوية ومصادرةً لحقٍّ لا يُجارَى.
آثر ابنُ عبادة أن يرسم بصلابته وموقفه قطيعةً صامتةً وشخصيةً استثنائيةً عصيةً على الترويض، تاركاً عاصمة الحكم خلفه، ومحافظاً على موقفه الذي لم تهزه الإغراءات ولم تثنه الضغوط. وفي تلك الأرجاء الشامية النائية، أُسدل الستارُ على حياته تحت غطاءٍ كثيفٍ من الغموض والتناقضات المصدرية المعقدة؛ غطاءٍ تتصادم فيه الروايات بين أسطورة غيبية تدّعي قتله على يد الجن، وقراءات نقدية وسياسية ترى في موته دراما اغتيالٍ مُحكمة استهدفت إسكات أحد أعتى الأصوات المعارضة لمنهج السقيفة.
إنها نهايةٌ لم تكن مجرد غيابٍ لجسد، بل كانت استهلالاً لسجالٍ تاريخيٍّ عريض لا يزال يفتح أبواب التأويل حول كيفية انطفاء هذا القبس الخزرجي العظيم، ومن يمسك بالفعل بخيوط هذه النهاية الفاجعة.


· أسطورةُ الجن وتهافتُ التبرير
في طيات تلك الليالي الشامية الغامضة، وعلى تخوم حوران حيث تتوارى الحقائق خلف صمت البادية، نُسجت حول ختام حياة سيد الخزرج رواياتٌ تسكنها الأساطير وتغلفها الغرابة؛ إذ تناقلت المرويات التراثية حديثاً مرعباً عن جثمانٍ أُخرج من مغتسله وقد اكتسى خضرةً داكنة مريبة، بينما ينبعث في الظلماء صوتٌ هاتفٌ غامض من جوف بئرٍ قفرة دون أن يُرى له صاحب، يشدو بالبيت الشهير الذي تناقلته الركبان:

قَتَلْنَا سَيِّدَ الخَزْرَجِ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةْ ... وَرَمَيْنَاهُ بِسَهْمَيْنِ فَلَمْ نُخْطِ فُؤَادَهْ

أراد المروجون لهذه الحكاية أن يربطوا في المخيال العام بين صرعة هذا الزعيم المتمرد ونقمةٍ ميتافيزيقية أحدثتها أيدي الجن!
غير أن عين التحقيق النقدية والوعي السياسي المتبصر يُسقطان أسانيد هذه الخرافة المتهافتة التي لا تثبت أمام المنطق؛ إذ يستحيل على العقل قبول فكرة أن تمتد أيدي الغيب لتنوب عن أجهزة السلطة في تصفية أعتى خصومها المعارضين.
أما تلك التأويلات التسطيحية التي تحاول الالتفاف على الحادثة بإرجاعها لوفاة طبيعية مفاجئة أو لدغة أفعى سامة في نفق ناءٍ، فهي لا تعدو كونها مخرجاً تبريرياً قاصراً يتعامى عمداً عن السياق السياسي المشتعل، ويغفل عن حقيقة أن سهمين أصابا الفؤاد بدقةٍ لا يطلقهما إلا رماة محترفون أُرسلوا لإسكات صوتٍ أرقّ عرش الخلافة وأبى أن ينحني.


· صياحُ السقيفة والتأسيسُ لإهدار الدم
تتجلى بوادرُ التصفية الجسدية والمعنوية مبكراً في صحن السقيفة المشحون بالصراع والتدافع؛ فحين صاح عمر بن الخطاب في قمة التوتر والانفعال: «اقتلوه قتله الله، إنه صاحب فتنة»، لم تكن تلك الصيحة الغاضبة مجرد مجازٍ لغويٍّ أو زجرٍ عابر كما يحاول البعضُ تصويره للتخفيف من وطأتها التاريخية، بل كانت بمثابة إهدارٍ سياسي صريح لدم الرجل، وتأسيسٍ علنيّ وواضح لشرعية القتل وتصفية المعارضة.
ويرتسم التناقضُ صارخاً حين يُدّعى أن هذا القول لم يخرج عن حدود العتاب المجازي؛ إذ لو كان الأمرُ كذلك بالفعل، لما سارع أبو بكر الصديق بكل ثقله لكبح جماح الموقف المشتعل، حابساً أنفاس التوتر بنبرةٍ ملحّة وحذرة حين قال: «مهلاً يا عمر، الرفق هاهنا أبلغ»! إن هذا التدخل الفوري والمباشر من أبي بكر لتهدئة عمر يُسقط كلياً دعوى المجاز والتهويل اللفظي، ويؤكد بما لا يدعو للشك أن الخطاب كان حقيقياً ومحمولاً على سفك الدم والفتك المباشر بزعيم الخزرج.
ولم يكن ارتحالُ سعد بن عبادة لاحقاً نحو الشام واعتزاله مشهد الحكم فراراً بجلده، ولا بحثاً عن سلامةٍ رخيصةٍ تحت وطأة الخوف، بل كان موقفاً شامخاً أملته عليه عزةُ نفسه المجبولة على الشرف والرئاسة؛ إذ رفض بصمودٍ مطلق أن يخفض رأسه أو يمنح صك المشروعية لبيعة أبي بكر ثم من بعده عمر. لقد آثر اعتزال صلاتهم وجمعتهم وتجنب مجالسهم، حريصاً على ألا يُكره بقوة السلطة أو مساومة السياسة على التنازل عن الموقف التاريخي للأنصار والشرعية المهدورة لآل البيت.


· ملفُ الاتهام ورصاصةُ الغدر السياسية
تتضافر القرائنُ التاريخية والتفسيرات النقدية لتشكل ملف اتهامٍ متكاملاً لا يدع مجالاً للشك، يرسم أبعاد التصفية السياسية, التي تعرض لها سيد الخزرج على يد رجال أجهزة السقيفة؛ حيث يبدأ شريط الأحداث من صائحة التهديد العلني "عمر" بالقتل في قلب المدينة، وينتهي بالتنفيذ الميداني لمخطط الاغتيال الجسدي في أقصى الشام. لقد كان بقاء سعد بن عبادة حياً بما يحمله من رمزيةٍ عشائريةٍ ضاربة في عمق الأنصار ورفضٍ قاطع وعصيٍّ على المساومة للشرعية الجديدة, يُشكل بؤرة خطرٍ أمني دائم ومصدر قلقٍ سياسي مستمر يهدد أركان الحكم الناشئ ويكسر حجة الإجماع المدعى، مما جعل إسكات هذا الصوت وتصفيته نهائياً مصلحةً سلطوية ملحة لا تحتمل التلبيث.
وتكشف القراءات التاريخية الفاحصة عن كواليس هذا المخطط؛ إذ أُرسلت عناصرُ مدربة ومطيعة تماماً لأوامر السلطة المركزية نحو مكان اعتزاله في الشام، لمطالبته لمرةٍ أخيرة بالتراجع وإعطاء البيعة، فلما وجدوا منه إصراراً صلباً وامتناعاً لا يلين، كَمَنوا له في جنح الليل المظلم عند مجرى ماءٍ كان يقصده، وترصدوا حركته بدمٍ بارد ليطلقوا عليه سهمين نافذين أصابا منه المقتل بدقةٍ متناهية.
وأمام هذا الاغتيال الخاطف الذي نُفذ بأسهمٍ تُطلق عن بُعد لكتْم هوية الفاعلين وإبعاد الشبهة المباشرة، صاغت السلطةُ أسطورة "قتله الجن" كغطاءٍ إعلامي مُحكم وخديعةٍ استخباراتية ذكية هَدَفت إلى إغلاق الملف للأبد؛ فنُسبت الجريمة الفاجعة إلى قوةٍ غيبية ميتافيزيقية يستحيل مقاضاتها أو الثأر منها، وذلك لدرء خطر الاشتعال القبلي وتجنب اندلاع ثورةٍ عارمة من الخزرج لو علموا أن سيدهم اغتيل بقرارٍ سياسيٍّ صريح.


· الموقفُ العلوي وامتدادُ الثأر السياسي
لم يكن المنهجُ العلوي الفكري والسياسي، القائم على العقلانية والوضوح الناصع، ليُخدع لحظةً واحدة بأسطورة "قتله الجن" أو يروّج لترهاتها وخرافاتها الميتافيزيقية؛ إذ كان الإمام علي بن أبي طالب (ع) وخاصةُ أهل بيته على درايةٍ تامة وفهمٍ عميق بالظروف والدوافع السياسية الملتهبة التي اكتنفت واكتنفتها عملية اغتيال سعد بن عبادة في غياهب الشام.
غير أن مقتضيات حفظ بيضة الإسلام، والحرص الإستراتيجي على وئام الأمة المتشكلة حديثاً، ودرء الفتنة الشاملة التي كانت ستعصف بالدولة الناشئة، فرضت على الإمام علي نمطاً من الصبر الإستراتيجي والموقف الهادئ، مع احتفاظه بالواقعة واعتمادها كشاهدٍ تاريخي يوثق نهج السلطة الحاكمة وطبيعة أدواتها في التعامل مع الأصوات المعارضة.
وتتجلى أبعاد هذا التضامن التاريخي والتحالف الوجداني لاحقاً أبهى تجلياتها في الولاء المطلق والصادق الذي أظهره قيس بن سعد بن عبادة (نجل الراحل) للإمام علي (ع)؛ إذ لم يرَ في الإمام إلا امتداداً للحق والشرعية، وغدا من أخلص رجاله وأعتى قادته وأركان حربه في معاركه المفصلية كالجمل وصفين، فضلاً عن تقلدِه إمارة مصر.
إن هذا التحالف الوراثي الوثيق بين البيتين لم يكن مجرد صدفةٍ سياسية، بل يقف اليوم برهاناً ساطعاً وشاهداً ناطقاً على وحدة الصف والهدف والمصير بين آل البيت وأحرار الأنصار، في مواجهة الجهة ذاتها التي همّشت دورهم وأراقت دم الخزرجي في ظلمات الشام.


· ختاما:
وهكذا، ينجلي الغبارُ عن واحدةٍ من أشدِّ صفحات التاريخ المبكّر غموضاً ودراماتيكية، لتبقى مأساةُ سعد بن عبادة شاهداً أزلياً على ضراوة الصراع حين تتشابك السياسة بالشرعية.
لقد أراد القتلةُ الصامتون أن يُغيبوا جسدَ سيد الخزرج في قِفار حوران، وأن يطمسوا حقيقة صرعته خلف أساطير الجنّ وخرافات الغيب، غير أن التاريخ الحُرّ لا ينام على ضيم؛ إذ ظلت أطيافُ تلك الدمويّة المسكوبة تشهد على صمود رجلٍ آثر أن يقتل في الغربة على أن ينحني هامةُ كبريائه.
لقد رحل سعدُ بن عبادة مغدوراً بأسهم الظلام، لكنه ترك خلفه عقيدةً رافضةً للرضوخ، تجسدت في دماء بني الخزرج وولاء أبنائه، لتبقى قصته جرحاً ناطقاً في ذاكرة الأمة، يُذكّر الأجيال دوماً بأن المبادئ العظيمة لا تموت حتى وإن غالت في اغتيال أصحابها أيدي الاستبداد.
أضف تعليقاً على هذا الخبر
ارسل هذا الخبر
تعليق
إرسل الخبر
إطبع الخبر
RSS
حول الخبر إلى وورد

ملخصات تغذية الموقع
جميع حقوق النشر محفوظة 2009 - (صنعاء نيوز)