صنعاء نيوز/ محمد السائح - 🔴عندما يتحول الفصل الدراسي إلى منصة لتلقين الأطفال أن الحياة الدنيا مجرد محطة عابرة لا تستحق الاهتمام، وأن القيمة الحقيقية كلها مؤجلة إلى الآخرة، فلا تستغرب بعد ذلك إذا كان المجتمع يستهلك أكثر مما ينتج، ويحفظ أكثر مما يفكر، ويكرر أكثر مما يبتكر.
فلماذا يجتهد طفل في صناعة المستقبل، إذا كان يُقنع منذ صغره بأن الدنيا لا تستحق أصلًا ! ولماذا يحلم بالاختراع والبحث والاكتشاف، إذا كان يُربى على أن كل ذلك مجرد تفاصيل هامشية؟
انتشر مؤخرا مقطع فيديو على وسائل التواصل الاجتماعي، لا أعلم إن كان قد صوِّر في الجزائر أم في دولة عربية أخرى، تظهر فيه معلمة منقبة تشرح لتلاميذ صغار قصة الموت وعذاب القبر، بينما يوجد أمامها مجسم مغطى على الطاولة، وكأن حصة العلوم تحولت إلى درس عملي في تجهيز الميت، وكأن أهم ما يحتاجه الطفل لبناء مستقبله هو أن يتقن تفاصيل ما بعد الموت قبل أن يتعلم كيف يبني الحياة.
وكان الأجدر بالمدرسة أن تُدرس مادة الأخلاق، بما تغرسه من قيم الصدق، والأمانة، واحترام القانون، والتسامح، والمسؤولية، والتفكير النقدي، بدل أن تتحول إلى فضاء للتلقين الفكري. فالأمم لم تتقدم لأنها خوفت أطفالها من القبر، بل لأنها علمتهم كيف يفكرون، وكيف يبحثون، وكيف يبتكرون.
ثم إن ارتداء النقاب داخل القسم يطرح، من وجهة نظري، إشكالًا تربويا لا علاقة له بالدين، بل بالتعليم نفسه. فالتلميذ يتعلم أيضا من تعابير الوجه، ونبرة الصوت، والتواصل البصري. فكيف تُبنى علاقة تربوية متكاملة مع شخص لا يرى الطفل ملامح وجهه؟ وكيف يكتمل التواصل داخل الفصل إذا كانت هوية المعلم البصرية غائبة؟ المدرسة فضاء للتواصل الإنساني، لا للتخفي.
ما أنا مقتنع به هو أن المدرسة يجب أن تبقى منطقة محمية من كل أشكال الأدلجة والتلقين، أيًّا كان مصدرها. فوظيفتها ليست صناعة أتباع، بل صناعة عقول؛ ليست تلقين الإجابات الجاهزة، بل تعليم الأطفال كيف يسألون، وكيف يفكرون، وكيف ينتجون، ويبتكرون، ويبنون مستقبلهم.
وللتوضيح حتى لا يختلط الأمر على أحد: الموضوع هنا هو المدرسة، وليس الدين. أنا لا أناقش الدين، بل أناقش دور المؤسسة التعليمية وحدود رسالتها.
فالمدرسة للعلم، وللعلم فقط، والأخلاق أولى بأن تُغرس فيها من ثقافة التخويف والترهيب، لأن الأمم تُبنى بالعقول، لا بإقناع الأطفال بأن الحياة مجرد محطة انتظار.
✍ |