صنعاء نيوز/بقلم/ محمد الصالحي -
لم تعد قضية الشرعية الدولية في عالم اليوم مرتبطة فقط بالنصوص القانونية والمواثيق الأممية، بل أصبحت اختباراً حقيقياً لمصداقية النظام الدولي، ومدى التزام القوى الكبرى بالقواعد التي طالما ادعت الدفاع عنها.
فمنذ عقود، تمارس الولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي سياسة انتقائية في التعامل مع مفهوم الشرعية الدولية؛ فتستدعي قرارات الأمم المتحدة حين تنسجم مع مصالحها ومشاريعها، بينما تتجاهل المبادئ والقواعد ذاتها عندما تقف تلك القواعد في مواجهة سياساتها أو تكشف انتهاكات حلفائها.
غير أن المفارقة الكبرى أن القوانين والمواثيق الدولية التي حاولت هذه القوى توظيفها كغطاء سياسي، هي ذاتها التي تكشف تجاوزاتها وتفضح طبيعة ممارساتها؛ فالقانون الدولي ليس ملكاً لقوة بعينها، وليس أداة تمنح المعتدي حصانة وتجرّد الشعوب من حقها في الدفاع عن سيادتها وحقوقها. بل إن جوهر القانون الدولي يقوم على رفض العدوان، وحماية المدنيين، ومنع استخدام التجويع والحصار والعقاب الجماعي كوسائل لتحقيق أهداف سياسية أو عسكرية.
ومن هذا المنطلق، فإن قرار اليمن اعتماد معادلة "الحصار بالحصار" لم يكن خروجاً عن قواعد القانون الدولي، ولا خطوة منفصلة عن سياق الصراع، وإنما جاء تعبيراً عن حق مشروع في مواجهة عدوان مستمر، ورداً على استخدام الحصار كسلاح استراتيجي استهدف الشعب اليمني وحاول تحويل المعاناة الإنسانية إلى وسيلة للضغط والإخضاع.
لقد حاولت دول العدوان تقديم الحصار المفروض على اليمن باعتباره إجراءً مرتبطاً بتنفيذ قرار مجلس الأمن رقم (2216)، إلا أن هذا التفسير يتجاهل حقيقة قانونية أساسية، وهي أن أي قرار دولي لا يمنح أي طرف صلاحية مفتوحة لشن حرب بلا حدود، ولا يجيز فرض حصار شامل على شعب بأكمله، ولا يمنح غطاءً لأي إجراءات تتجاوز الأهداف المعلنة للقرار.
فالقرارات الدولية لا يمكن أن تتحول إلى رخصة للعدوان، ولا يجوز استخدامها لتبرير تدمير الاقتصاد، وتعطيل الموانئ والمطارات، وفرض القيود التي تمس حياة المدنيين واحتياجاتهم الأساسية.
إن ما تعرض له اليمن لم يكن مجرد إجراءات عسكرية محدودة، بل تحول إلى سياسة حصار ممنهجة استهدفت الضغط على الشعب اليمني عبر أدوات اقتصادية وإنسانية. وعندما تصبح الاحتياجات الأساسية وحرية التنقل والوصول إلى الخدمات وسائل في معركة سياسية وعسكرية، فإن ذلك يمثل تجاوزاً خطيراً للمبادئ التي يقوم عليها القانون الدولي الإنساني.
وعليه، فإن محاولة منح هذه الإجراءات غطاءً قانونياً عبر الاستناد إلى قرار أممي تمثل إساءة لاستخدام الشرعية الدولية، وتحويلها من منظومة يفترض أن تحمي الأمن والسلم إلى أداة تُستخدم لخدمة أهداف القوى الكبرى.
لقد تحمل اليمن طوال سنوات الحرب تداعيات العدوان والحصار، وتعامل مع واقع فُرض عليه، إلا أن استمرار استخدام الحصار كسلاح أحادي الاتجاه فرض معادلة جديدة: لا يمكن أن يبقى طرف يمتلك القدرة على خنق شعب بأكمله دون أن يواجه نتائج سياساته.
ومن هنا جاءت معادلة "الحصار بالحصار" باعتبارها حقاً مشروعاً في الردع، ورسالة واضحة بأن من يستخدم الاقتصاد والموانئ والممرات البحرية والاحتياجات الإنسانية أدوات للضغط، لا يمكنه أن يتوقع بقاء الطرف الآخر عاجزاً عن الرد.
فالقانون الدولي لا يقوم على منطق القوة المطلقة، ولا يمنح المعتدي الحق في تحديد قواعد المواجهة وحده، كما أن حق الدفاع عن النفس لا يقتصر على مواجهة الهجمات العسكرية المباشرة، بل يشمل مواجهة الإجراءات العدائية التي تستهدف أمن الدولة وقدرتها على حماية شعبها.
وبناءً على ذلك، فإن الإجراءات اليمنية المقابلة تجاه مصالح ومنشآت الدول المشاركة في العدوان تأتي في إطار ممارسة حق الردع والدفاع، بهدف وقف العدوان وإنهاء الحصار، وليس باعتبارها أعمالاً منفصلة عن سياق الحرب التي فُرضت على اليمن.
إن العمليات التي استهدفت السفن المرتبطة بالسعودية في البحر الأحمر جاءت، وفق الرؤية اليمنية، في إطار الرد على استمرار الحصار والعدوان، وحملت رسالة سياسية وعسكرية مفادها أن أمن الملاحة الدولية لا يمكن أن يُبنى على تجاهل معاناة الشعوب، وأن استقرار الممرات البحرية لا يمكن فصله عن السياسات التي تهدد أمن المنطقة.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن محاولة إخضاع اليمن عبر الحصار لم تحقق أهدافها، بل أسهمت في إنتاج معادلة ردع جديدة فرضت نفسها على المستوى الإقليمي والدولي. فالأمن لا يتحقق بالتجويع، والاستقرار لا يُفرض بالقوة، وإنما يتحقق باحترام السيادة ووقف السياسات العدائية وإنهاء محاولات فرض الإرادة بالقوة.
إن الأزمة الحقيقية التي تواجه النظام الدولي اليوم ليست في غياب القوانين، وإنما في غياب العدالة في تطبيقها. فعندما تُستخدم الشرعية الدولية لمعاقبة طرف، بينما تُمنح الحماية لطرف آخر رغم ممارساته، فإن المشكلة لا تكون في القانون نفسه، بل في القوى التي تحاول احتكار تفسيره وتوظيفه وفق مصالحها.
لقد أثبت اليمن أن الشعوب لا يمكن إخضاعها بمنطق الإملاءات، وأن استخدام الحصار كسلاح لن يؤدي إلا إلى خلق معادلات جديدة وفرض واقع مختلف. فالقانون الدولي الحقيقي هو القانون الذي يُطبق على الجميع، لا القانون الذي يتحول إلى أداة سياسية بيد القوى الكبرى.
إن معادلة "الحصار بالحصار" ليست خروجاً على الشرعية الدولية، بل هي تأكيد على حق اليمن في الدفاع عن سيادته ومواجهة الإجراءات العدائية المفروضة عليه. فالسيادة لا تُمنح من الآخرين، والحقوق لا تُستجدى، والشعوب التي تتعرض للعدوان تمتلك الحق في اتخاذ الوسائل التي تحمي وجودها وأمنها.
لقد فرض اليمن هذه المعادلة لا بحثاً عن التصعيد، بل دفاعاً عن حقه في الحياة والكرامة والاستقلال، وفي مواجهة محاولة تحويل القانون الدولي من مظلة للعدالة بين الأمم إلى أداة لخدمة الهيمنة والنفوذ.
نقلا عن صحيفة ٢٦ سبتمبر العدد ٢٤٧٧، الاثنين ١٣ صفر ١٤٤٨ هـ - 27 تموز/يوليو 2026 م