shopify site analytics
العاهرات لا يسرقن الأوطان - امية تظافر عناصر العملية التعليميه....(2) - فريق مدونة السلوك الوظيفي بذمار يكرّم القاضي الأسطى - اكتمال عقد فرق نهائي المسابقات الثقافية بجامعة الحكمةبذمار - تكّريم المنشآت السياحية المتميزة في محافظة البيضاء للعام 1447 هجرية - أنوار العشق الإلهي: حين يكون الحبُّ طريقاً للخلود - دوافع تمزيق صور الشهداء في كربلاء - من يرسم بوصلة بغداد؟ - دنيا بطمة ومسلم ووليد الرحماني يتصدرون سهرات مهرجان الناظور المتوسطي في نسخته الثانية - ندوة علمية في جامعة ذمار بعنوان المنظور النفسي للإدمان ودور المؤسسات الأكاديمية -
ابحث عن:



صنعاء نيوز - 
بقلم: حامد الضبياني
ثمة أسئلة لا تليق بالمجتمعات السليمة، لكنها تصبح واجباً أخلاقياً في الأزمنة المريضة. وثمة أسئلة تولد خجولة ثم تكبر حتى تصبح صفعة

الثلاثاء, 28-يوليو-2026
صنعاء نيوز -

بقلم: حامد الضبياني
ثمة أسئلة لا تليق بالمجتمعات السليمة، لكنها تصبح واجباً أخلاقياً في الأزمنة المريضة. وثمة أسئلة تولد خجولة ثم تكبر حتى تصبح صفعة على وجه التاريخ. من هذه الأسئلة سؤالٌ ظل يؤرقني كلما مررت بوجه طفلٍ يبحث عن طعامه في مكب للنفايات، أو رأيت شيخاً عراقياً يحمل ملف تقاعده منذ عشرين عاماً وكأنه يحمل نعشه بيديه، أو شاهدت مريضاً يموت على باب مستشفى بُنيت له في الموازنات ألف مرة ولم يُبنَ على الأرض ولو مرة واحدة. سؤالٌ لا يخجل من قسوته لأن الواقع أكثر قسوة منه: أيهما أكثر انحطاطاً، امرأة باعت جسدها لتعيش أم رجلٌ باع وطناً بأكمله ليعيش وحده؟
لقد ظلمنا الكلمات كثيراً، فمنذ آلاف السنين ونحن نرجم امرأةً سقطت في حفرة الحاجة، بينما نصفق للرجل الذي حفر الحفرة وباع ترابها وسرق أحجارها ووقف يخطب فوقها عن الفضيلة. لقد علّمونا أن نخجل من لفظة "عاهرة"، لكنهم لم يعلمونا كيف نخجل من لفظة "سارق وطن". جعلوا الأولى لعنة اجتماعية، والثانية وظيفة رسمية لها حراس ومواكب وألقاب وسيارات مصفحة وحسابات مصرفية لا تعرف النوم.العاهرة لا تحتاج إلى خطيب يبرر وجودها، فهي لا تدعي أنها جاءت لإنقاذ البشرية، ولا تعلق صورتها في الشوارع، ولا تعد الأطفال بمستقبل أجمل، ولا تقسم بالله العظيم أنها ستبني لهم المدارس والمستشفيات والجسور، ثم تكتشف بعد أربع سنوات أنها كانت تقصد بناءها في دولة أخرى. أما سارق الوطن فهو يحتاج إلى ألف كذبة كل صباح ليحمي سرقته الواحدة، وإلى ألف منافقٍ كل مساء ليصفقوا له وهو يتحدث عن النزاهة والعدالة والإصلاح.
إن العاهرة تبيع ما تملك، أما لصوص الأوطان فيبيعون ما لا يملكون. تلك باعت نفسها، وهذا باعنا جميعاً. تلك خسرت شيئاً من عمرها، وهذا سرق أعمار الملايين. تلك لا تستطيع أن تقطع الكهرباء عن مدينة، ولا أن تهجر عائلة من بيتها، ولا أن تسرق دواء مريض، ولا أن تجعل طفلاً يبيع المناديل الورقية تحت الشمس، أما هؤلاء فقد جعلوا العراق أكبر يتيم يقف على أبواب التاريخ يسأل أين ذهبت ثرواته؟.. العاهرة لا تصنع الأرامل، ولا تخلق المقابر الجماعية، ولا تحول الإنسان إلى رقم في سجلات الفقر، أما سارق الوطن فإنه لا يسرق المال فقط، بل يسرق الزمن أيضاً. إنه يسرق من الطفل عشرين سنة من التعليم، ومن الشيخ عشرين سنة من العلاج، ومن الشاب عشرين سنة من الانتظار، ثم يخرج على الناس بوجهٍ يشبه الملاك ولسانٍ يشبه الأنبياء وجيبٍ يشبه إمبراطوريات النهب القديمة.
أعترف أنني لم أرَ عاهرةً واحدة تسببت بانهيار وطن، ولم أقرأ في كتب التاريخ أن امرأة باعت جسدها فأفلست دولة، لكنني قرأت كثيراً عن رجالٍ كانوا يرتدون ربطات العنق والعمائم والبدلات الفاخرة، فباعوا شعوبهم بثمن بخس، ثم عادوا يتحدثون عن الوطنية وكأن الوطن ولد في جيوبهم، وعن الأخلاق وكأن السماء كتبت أسماءهم في سجل الصالحين.ما أغرب هذا الشرق الذي يغضب من امرأة باعت جسدها ولا يغضب من رجل باع البحر والنهر والنفط والخبز والمستقبل. وما أغرب هذه المجتمعات التي تحفظ أسماء الراقصات وتنسى أسماء السارقين، وتخجل من لفظة عاهرة ولا تخجل من لفظة فاسد، وكأن فساد الجسد أشد خطراً من فساد الضمير، وكأن الوطن يمكن أن يُدفن بصمت بينما تقوم القيامة إذا رقصت امرأة في مكان ما.لقد كان ينبغي أن نعيد تعريف الكلمات منذ زمن بعيد. فالعهر الحقيقي ليس ما يحدث خلف بابٍ مغلق، بل ما يحدث في وضح النهار على شاشات التلفاز وخلف مكاتب السلطة. والعاهر الحقيقي ليس من يبيع جسده، بل من يبيع مبادئه وضميره وشعبه مقابل حفنة من الذهب وكرسي لا يدوم أكثر من عمر الكذبة التي صنعته.إن العاهرة لا تسرقك مرتين، فهي تخبرك منذ البداية بما تريد وما ستعطيك، أما لصوص الأوطان فيسرقونك قبل أن تولد وبعد أن تموت. يسرقون طفولتك وشبابك وشيخوختك، ثم يسرقون قبرك أيضاً حين يجعلون أبناءك يبحثون عن وطن آخر يحملهم بعدما لفظهم وطنهم الأول.لقد اكتشفت البشرية دواءً لأمراض الجسد كلها تقريباً، لكنها لم تكتشف حتى الآن علاجاً للطمع السياسي، لأنه المرض الوحيد الذي كلما ازداد صاحبه ثراءً ازداد جوعاً، وكلما ازداد شبعاً ازداد افتراساً. إنه وحش لا يكتفي بسرقة المال، بل يسرق الإحساس أيضاً، حتى يصبح قادراً على النوم فوق وسادةٍ محشوة بأوجاع الملايين.
ولعل أكثر ما يثير السخرية أن لصوص الأوطان يخافون من الكلمات أكثر من خوفهم من المحاكم. إنهم يرتجفون إذا وصفتهم الصحافة بالفاسدين، لكنهم لا يرتجفون وهم يوقعون على سرقة جديدة أو صفقة جديدة أو خيانة جديدة. لقد أصبحت الكلمة أخطر عليهم من السجن، لأن السجن قد ينتهي يوماً، أما لعنة التاريخ فلا تنتهي أبداً.
سيأتي يوم يكتب فيه المؤرخون أن العراق لم تقتله الحروب وحدها، بل قتله أولئك الذين أحبوا أنفسهم أكثر مما أحبوه، والذين جعلوا من السلطة مهنةً للنهب ومن الوطنية قناعاً ومن الشعب سلماً يصعدون عليه نحو قصورهم العالية. وسيكتبون أيضاً أن العاهرات لم يسرقن الأوطان يوماً، وأن الخرائط لا تتمزق بأيدي الفقراء، بل بأيدي الذين أقسموا على حمايتها.إنني لا أدافع عن الخطيئة، ولكنني أرفض أن تتساوى الخطيئة مع الجريمة، فثمة فرقٌ شاسع بين إنسانٍ أسقطته الحياة وبين إنسانٍ أسقط وطناً بأكمله. الأول يحتاج إلى الرحمة، أما الثاني فلا يحتاج إلا إلى محكمةٍ بحجم التاريخ، لأن الذين سرقوا العراق لم يتركوا لنا سوى سؤالٍ واحدٍ ما زال يطاردنا كل صباح: أيهما أكثر قبحاً، جسدٌ باعته الحاجة أم وطنٌ باعه الطمع؟
أضف تعليقاً على هذا الخبر
ارسل هذا الخبر
تعليق
إرسل الخبر
إطبع الخبر
RSS
حول الخبر إلى وورد

ملخصات تغذية الموقع
جميع حقوق النشر محفوظة 2009 - (صنعاء نيوز)