صنعاء نيوز/ بقلم مجاهد احمد الحضراني -
بقلم مجاهد احمد الحضراني
صمود لا تهزه الصواريخ
في لحظات التاريخ الفاصلة، حينما انهمرت صواريخ العدوان الغاشم عام 2015م مستهدفةً مؤسسات الدولة، كانت وزارة المالية تقف كقلعة شامخة لا تهزها الرياح.
لم تكن هذه الوزارة مجرد جدرانٍ ومكاتب صامتة، بل كانت كائناً حياً ينبض بقلوب موظفيها الأوفياء؛ فالتحمت المؤسسة بمنتسبيها في خندق واحد لمواجهة آلة الموت، وتصدوا للصواريخ بثبات أسطوري لا يلين.
معركة الكرامة خلف المكاتب
وحين بُعثت تهديدات العدوان بإخلاء المبنى لبث الرعب والشتات، تحول الحضور اليومي والدوام الرسمي من مجرد واجب وظيفي إلى معركة كرامة وتحدٍّ سافر؛
فكنا أول من بادر وتراسل عبر مجموعات "الواتساب" لنتعاهد على المقاومة بالثبات في مكاتبنا.
وبإيمانٍ يطاول السماء، وببطونٍ خاوية نهشها الجوع وجوع أولادنا، أسمع إصرارنا من به صمم، وكنا لسان حال واحد يقول:
"إن استشهدنا ونحن على مكاتبنا نؤدي أعمالنا، فهي أزكى شهادة وأطهر موقف"
وبقينا سياجاً بشرياً يحمي هذه القلعة الحصينة، باستثناء أفراد قلائل لا يتجاوزون أصابع اليد الواحدة، فروا إلى الخارج ثم عادوا لاحقاً ليتربعوا فوق تلك المكاتب التي حماها غيرهم بدمائهم، وعفى الله عما سلف.
الدكتور صالح شعبان: قيادة شجاعة في وضع قتصادي صفر
وفي خضم تلك المرحلة الحرجة والمعارك الاقتصادية الطاحنة، تعين الدكتور صالح شعبان وزيراً للمالية.
وإنصافاً للتاريخ لا مجاملة، كان الرجل نموذجاً للشجاعة النادرة؛ إذ حمل رأسه على كفه في وقت كان العدوان يركز فيه على تصفية قيادات الدولة العليا.
تسلم دفة الوزارة التي تعد الرافد الوحيد لموارد البلاد، في توقيت فرض فيه العدوان حصاراً مطبقاً يبس منابع الإيرادات ونقل البنك المركزي الى عدن، ووصل فيه الوضع الاقتصادي إلى نقطة الصفر والعجز التام عن تلبية أبسط مقومات الحياة.
ولأنه ابن المالية البار
ومسلح بخبرات متراكمة وعقلية اقتصادية للمهمات الصعبة، استطاع انتشال البلاد من ركودها المحتوم، وأحدث انتعاشاً اقتصادياً ملموساً – ولو في حده الأدنى – أنقذ الموقف.
وإلى جانب شجاعته، تميز الدكتور صالح شعبان بأخلاق رفيعة ونبلٍ جم في تعامله؛ فكان يكنّ احتراماً كبيراً لقيادات الوزارة وكوادرها، ويحرص على تشجيعهم ودفعهم لإبداء الآراء وتقديم المقترحات الجريئة التي تعالج الوضع المعقد، كلٌّ من واقع اختصاصه ومكان عمله، مؤمناً بأن العمل الجماعي هو طوق النجاة.
ورغم أنهم لم يبقوه في منصبه إلا لفترة وجيزة، إلا أنه نجح خلالها في تأسيس قاعدة اقتصادية متينة لسلطة صنعاء؛ وهي الركيزة الأساسية التي ارتكز عليها واعتمدها الوزراء المتعاقبون من بعده لإدارة الدولة حتى يومنا هذ.
ولولا شجاعته وفكره وقيادته للوزارة باعتبارها القلب النابض لجميع مؤسسات الدولة، لاهتزت أركان البلاد ودخلت في متاهات الضياع، خاصة وأنه كان يواجه ضغوطاً هائلة وصعوبات بالغة تحد من حريته في اتخاذ القرارات، لكنه ظل شجاعاً وثابتاً كالموظفين الذين قادهم.
إن الملحمة التي سطّرها موظفو وزارة المالية بأجسادهم الخاوية وإرادتهم الصلبة، بقيادة الوزير السابق الدكتور صالح شعبان، لم تكن مجرد مرحلة عابرة في تاريخ اليمن، بل كانت معركة وجود حقيقية انتصرت فيها الهوية الوطنية على آلة الحرب والتجويع.
لقد برهنت هذه القلعة الشامخة أن صمود الجبهة الإدارية والاقتصادية لا يقل شرفاً ولا تأثيراً عن جبهات القتال؛ فبدموع الأوفياء وعرق المخلصين تأسست القواعد التي حفظت للدولة كيانها من الانهيار والضياع.
وتظل هذه التجربة الاستثنائية درساً خالداً للأجيال القادمة، وشاهداً حياً على أن الأوطان لا تحميها الحصون المشيدة، بل تحرسها ضمائر الرجال الذين ثبتوا حين زلّت الأقدام، واختاروا الشرف والوفاء خلف مكاتبهم على الهروب والخذلان.
15 يوليو 2026 م صنعاء |