صنعاء نيوز.. د. عبدالوهاب الروحاني -
في مجتمعاتنا العربية، عادة ما يصعد أشخاص إلى مواقع قيادية عليا ليس بفضل الكفاءة، أو التجربة، بل بفعل الصدفة أو الانتماء، أو العائلة والقرابة، أو الوساطة.
هؤلاء القادة غالبًا ما يتحولون إلى عبء على مؤسساتهم، ويصبح وجودهم انعكاساً لخلل في منظومة الحكم، ولعل من أبرز الأمثلة على "القائد الصدفة"، هو ذلك الذي وجد نفسه فجأة في موقع كبير، محاطاً بخدم وحشم، وسيارات ومرافقين، وامكانيات، وهو في الواقع لا يملك من أدوات القيادة سوى الجهالة والغرور والفظاظة.
عرفت أحدا من قادات "الصدفة" هؤلاء.. قائد ارتبطت شخصيته بحكايات غريبة مع مدنيين وعسكريين، أصدقاء وخصوم على حد سواء. عُرف بأسلوبه الفظ في التعامل مع الآخرين، ينزع الى الاستعراض، والتباهي لإثبات ذاته وسلطته..
روى أحد الاصدقاء القدامى بصنعاء قصة تكشف جانبًا من شخصية أحد هؤلاء.. ماذا قال؟!
قال: وأنا أسير في طريق نقم، اعترضني طقم عسكري، أنزلني مسلحوه من سيارتي واقتادوني معصوب العينين إلى مكان أشبه بزنزانة، ظللت فيه لأكثر من ساعتين، ثم أُدخلت لاحقًا إلى صالة فخمة وواسعة، وقيل لي انت في مكتب القائد انتظر ..!! فانتظرت حتى يؤذن لي بالدخول..
دخلت المكتب، وكانت المفاجأة أن هذا القائد لم يكن سوى أحد تلاميذي السابقين، تبسمت وقلت:
هو أنت يا فندم .. الحمدلله ريحتني؟!
نظر إلي بنصف عين، واشار الي بالجلوس، ثم فجأة ضحك كالمجنون، وقال بسخرية ملفتة: هذا أنت الأستاذ علي ؟!.. وأخيراً أنت ضيفنا..
شكرته مجددا وقلت: قد ضيفوني خبرتك بكدمة و"سحاوق" شكراً.. كان يضحك ثم يعبس، ويتعامل بإسلوب غريب، تحدثنا عن المدرسة، والطلاب والأساتذة، وأشياء من ذكريات الماضي، واتضح أنه يتسلى معي بذكرياته الأليمة (كان طالبا فاشلا)، ثم في نهاية الأمر، أمر أحد مساعديه بتزويدي بتموين غذائي.. أرز ودقيق، وسكر، ومعلبات فول، وزيت، وودعني وهو يضحك، وتبدو عليه علامات السعادة، وسررت أنني اسعدته، وانتهت قصتي مع "القائد" حفظه الله ورعاه.
هذه القصة من قصص كثيرة لم تكن سوى مسرحية هزلية، لكنها تكشف فراغًا داخليًا لدى القائد، وحاجة غريبة لإشباع غرور شخص مريض؛ لم تقتصر تصرفاته على قصة واحدة، بل تكررت في صور مختلفة.. فيها محاولة استعراض هيبة ورجولة ضمنها اقتحام دوائر ومؤسسات وحتى بيوت لتصفية حسابات شخصية ضيقة مع خصوم ليسوا في مستوى مسئوليته، ولا إمكانياته.
تعود رجل الصدفة إحداث جلبة وضوضى من حوله أينما ذهب، يحاول دائما ان يظهر شأنه وبأسه، فهو يسير مستعرضا بمرافقين مسلحين في مؤسسات ادارية وثقافية وابداعية لا علاقة له بها لا من قريب ولا من بعيد، ولكنه كالعادة يصرخ هنا ويرعد ويزبد هناك، ويتحرش بهذا وذاك للفت الانتباه بتصرفات صبيانية وتهديدات تصل احيانا حد اشهار مرافقيه أسلحتهم على خصوم مزعومين.
وهكذا يكون "القائد الصدفة" جزءًا من منظومة متسلطة كرست ثقافة الاستعلاء والهيمنة، وهولاء يسيؤون عادة ليس فقط للسلطة التي يعبثون باسمها وانما يسيئون ايضا لقيم وعادات المجتمع النبيلة.. وأمثال هولاء تجدهم يفرون في أول موقف جاد يواجهونه..
واحسبوا كم مر علينا من هؤلاء ..!!!
د. عبدالوهاب الروحاني