shopify site analytics
لتعزيز جودة الأداء المؤسسي.. جامعة عدن تواصل إعداد خطتها الاستراتيجية - حين يبدأ الخرف قبل أن نراه: مقال في الإنسان والعلم ومسؤولية الكشف المبكر - مهما حصل العودة لنفس البصل - الحكيمي يكتب : ألقاضي محمد أحمد الجلال ومشروعية وصاية الميسري وغيره - د. أيهم غزال الأيقونة السورية التي كسرَت حواجز الطب النفسي عربياً وعالمياً رقمياً - مواجهة الاحتلال والتغلب على التحديات - صندوق تنمية المهارات ومعهد الإتصالات يختتمان برنامج الأوراكل لكوادر البريد - موقف يحبس الأنفاس وشجاعة في التعامل مع الخطر: نجاة المغترب عبده المنتصر من سطو مسلح - مدير مكتب الصحة بذمار يؤكد أهمية الارتقاء بأداء المستشفيات الحكومية في تقديم الخدمات - نموذج مختلف في الإدارة الرياضية -
ابحث عن:



صنعاء نيوز - 
بمناسبة شهر ألزهايمر. العالمي الموافق أيلول سبتمبر 2026،هناك أمرٌ نعرفه جميعاً، لكننا نتهرّب من الاعتراف به: الخرف لا يبدأ عندما ينسى الإنسان

الأربعاء, 02-سبتمبر-2026
صنعاء نيوز/ بقلم د غسان شحرور -


بمناسبة شهر ألزهايمر. العالمي الموافق أيلول سبتمبر 2026،هناك أمرٌ نعرفه جميعاً، لكننا نتهرّب من الاعتراف به: الخرف لا يبدأ عندما ينسى الإنسان اسمه أو يضيع طريقه. يبدأ قبل ذلك بكثير، في تلك اللحظات الصغيرة التي لا نلتفت إليها، في التغيّر الخفيف في نبرة الحديث، في السؤال الذي يتكرّر بلا قصد، في انسحابٍ هادئ من جلسةٍ كان صاحبها سابقاً يملؤها حضوراً.

ومع ذلك، ما تزال أنظمتنا الصحية تتعامل مع الخرف وكأنه ضيفٌ ثقيل لا يُسمح له بالدخول إلا بعد أن يطرق الباب بعنف. وما تزال الأسر تخشى أن تُسمّي ما تراه، وكأن الاعتراف يفتح باباً لا يمكن إغلاقه.

لكن العلم يقول شيئاً آخر. يقول إن الخرف يبدأ قبل الأعراض بسنوات طويلة، وإن التشخيص المبكر ليس رفاهية، بل حماية إنسانية.

العلم الذي يكشف ما نخشى رؤيته

في السنوات الأخيرة، تغيّر كل شيء. لم يعد التشخيص المبكر فكرة نظرية، بل ممارسة واضحة تستند إلى أدوات دقيقة:

• فحوصات الدم التي تكشف بروتينات مرتبطة ببداية المرض مثل p‑tau217 و Aβ42/40 ratio.
• التصوير بالرنين المغناطيسي المتعدد المعايير (Multiparametric MRI) الذي يرى ما لا تراه العين: تقلّص الحُصين، تغيّر الروابط العصبية، بدايات الضعف الإدراكي.
• الاختبارات المعرفية الرقمية (Digital Cognitive Assessment) التي يمكن للأسرة إجراؤها في المنزل خلال عشر دقائق.
• فحوصات السائل الدماغي الشوكي (CSF Biomarkers) التي تُستخدم عند الحاجة لتأكيد التشخيص بدقة عالية.


هذه الأدوات ليست بعيدة. ليست محصورة في مراكز بحثية أو دول غنية. إنها موجودة، متاحة، وقابلة للتطبيق في المراكز الصحية الأولية إذا توفّر القرار.

لكن السؤال الأعمق ليس: ما هي الأدوات؟
بل: لماذا لا نستخدمها؟


الخوف… ذلك الحاجز الذي لا يُرى

الخوف هو العائق الأكبر.
خوف الأسرة من أن تسمع كلمة «ألزهايمر».
خوف الطبيب من أن يفتح باباً لا يملك الوقت لإغلاقه.
خوف الأنظمة الصحية من تكلفة التشخيص المبكر، رغم أن تكلفة التأخير أكبر بما لا يُقاس.

لكن الخوف لا يحمي أحداً.
الخوف يؤجّل الحقيقة، ويُعجّل الألم.

التشخيص المبكر ليس إعلاناً عن المرض، بل إعلاناً عن القدرة على مواجهته.

كيف يبدأ الكشف المبكر؟

على مستوى الأسرة

يبدأ الكشف المبكر من البيت، من عينٍ ترى ولا تخشى أن تُسمّي ما ترى.

• حين يتكرّر السؤال نفسه.
• حين ينسحب الشخص من حديثٍ كان يحبه.
• حين تتغيّر طريقة ترتيب الأشياء.
• حين يصبح اتخاذ القرار عبئاً غير مفهوم.


هذه ليست «علامات كِبر». إنها إشارات مبكرة تستحق الإصغاء.

وهنا يأتي دور الأدوات المنزلية:
اختبار SAGE، أو التطبيقات المعرفية التي تقيس الذاكرة والانتباه خلال دقائق.
هذه ليست تشخيصاً، لكنها جرس إنذار يدفع الأسرة إلى الخطوة التالية.

على مستوى المركز الصحي

المركز الصحي ليس مكاناً للانتظار، بل مكاناً للبدء.

التشخيص المبكر يحتاج إلى ثلاث خطوات واضحة:

1. تقييم معرفي سريع باستخدام أدوات مثل MoCA أو MMSE.
2. فحص دم للمؤشرات الحيوية، وهو اليوم متاح في مختبرات كثيرة.
3. إحالة للتصوير بالرنين المغناطيسي المتعدد المعايير عند الحاجة.


هذه الخطوات لا تحتاج ميزانيات ضخمة، بل تحتاج قراراً بأن الخرف ليس قدراً يُكتشف متأخراً، بل حالة يمكن التعامل معها مبكراً.

الإنسان في قلب العلم

ما يميّز التشخيص المبكر ليس العلم وحده، بل الإنسان الذي يقف خلفه.

حين يعرف الشخص مبكراً، يستطيع أن:

• يخطّط لحياته بكرامة.
• يشارك في تجارب سريرية قد تغيّر مسار المرض.
• يخفّف العبء عن أسرته.
• يحافظ على استقلاليته أطول فترة ممكنة.
• يتجنّب الانهيار المفاجئ الذي يدمّر العلاقات والأدوار.


التشخيص المبكر ليس كشفاً للضعف، بل كشفٌ للقوة.


الأنظمة الصحية… بين الماضي والمستقبل

ما تزال الأنظمة الصحية في كثير من الدول تعمل بمنطقٍ قديم:
«لا نُشخّص إلا عندما تتفاقم الأعراض».

لكن هذا المنطق لم يعد أخلاقياً.
العلم تغيّر، والإنسان يستحق أن تتغيّر معه الأنظمة.

إن إدراج فحوصات الدم والتقييمات المعرفية ضمن الرعاية الأولية ليس ترفاً، بل ضرورة.
وإن إنشاء «عيادات الذاكرة» في المراكز الصحية ليس مشروعاً ضخماً، بل خطوة صغيرة تُغيّر حياة آلاف الأسر.


الخرف ليس نهاية… بل بداية مسؤولية

الخرف لا ينهي حياة الإنسان، لكنه يختبر قدرتنا على أن نكون بشراً.
يختبر قدرتنا على أن نرى ما نخشى رؤيته، وأن نسمّي ما نخشى تسميته، وأن نفتح باباً نحو الحقيقة بدلاً من إغلاقه خوفاً.

التشخيص المبكر ليس طباً فقط.
إنه أخلاق.
إنه حماية.
إنه احترام للإنسان قبل أن يضيع في متاهة النسيان.

وفي هذا الشهر العالمي، لا يكفي أن نرفع الشعار.
علينا أن نرفع مستوى الفعل.

في شهر ألزهايمر. العالمي 2026، لابد أن نقول: الخرف يبدأ قبل أن نراه.
والإنسان يستحق أن نراه قبل أن يغيب.






الدكتور غسّان شحرور طبيب وكاتب وناشط في المجتمع المدني، أسّس الجمعية السورية لألزهايمر والذاكرة، وله إسهامات بارزة في التوعية والرعاية الإنسانية للمصابين بالخرف. شارك في دراسات حول السمع والذاكرة لدى كبار السن وفي ندوات دولية تعنى بمرض ألزهايمر وجودة حياة المرضى وأسرهم.
أضف تعليقاً على هذا الخبر
ارسل هذا الخبر
تعليق
إرسل الخبر
إطبع الخبر
RSS
حول الخبر إلى وورد

ملخصات تغذية الموقع
جميع حقوق النشر محفوظة 2009 - (صنعاء نيوز)