صنعاء نيوز - الصحافة الاستهلاكية والصحافة المفيدة
بقلم عمر دغوغي الإدريسي مدير جريدة بالمملكة المغربية
تُعدّ الصحافة من أهم الوسائل التي يعتمد عليها المجتمع في الحصول على المعلومات وفهم الأحداث والقضايا التي تدور من حوله. غير أن تطور وسائل الإعلام، وخصوصًا مع انتشار المواقع الإلكترونية ومنصات التواصل الاجتماعي، أدى إلى ظهور أنماط مختلفة من الممارسة الصحفية. ومن بين القضايا التي تطرح نفسها اليوم التمييز بين الصحافة الاستهلاكية التي تركز على جذب الجمهور وتحقيق الانتشار، والصحافة المفيدة التي تجعل من خدمة القارئ وتوعيته هدفًا أساسيًا لها.
فإذا كانت الصحافة في جوهرها تقوم على نقل الأخبار والمعلومات، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل يكفي أن تكون المادة الصحفية جذابة وقابلة للاستهلاك، أم ينبغي أن تكون أيضًا ذات قيمة حقيقية للقارئ والمجتمع؟
أولًا: الصحافة الاستهلاكية
يقصد بالصحافة الاستهلاكية ذلك النوع من المحتوى الذي يركز بدرجة كبيرة على جذب انتباه الجمهور وزيادة نسب المشاهدة والقراءة والتفاعل. وغالبًا ما تعتمد على العناوين المثيرة، والموضوعات الخفيفة، والأخبار السريعة، وأحيانًا على التركيز على الفضائح والمشاهير وكل ما يثير فضول المتلقي.
وقد ساهمت المنافسة الشديدة بين المؤسسات الإعلامية والمنصات الرقمية في انتشار هذا النوع من الصحافة، إذ أصبحت بعض المؤسسات تقيس نجاحها بعدد النقرات والمشاهدات والمشاركات أكثر مما تقيسه بقيمة المحتوى وتأثيره الإيجابي.
ولا يعني ذلك أن الصحافة الاستهلاكية عديمة الفائدة بشكل مطلق؛ فالمحتوى الترفيهي والخفيف له مكانه في الإعلام، كما أن جذب الجمهور يمثل جزءًا من نجاح أي وسيلة إعلامية. لكن المشكلة تظهر عندما يتحول جذب الانتباه إلى غاية في حد ذاته، على حساب الدقة والعمق والمصلحة العامة.
ثانيًا: الصحافة المفيدة
أما الصحافة المفيدة فهي التي تسعى إلى تقديم معلومات موثوقة وذات قيمة عملية أو معرفية للقارئ. وهي لا تكتفي بالإجابة عن سؤال: «ماذا حدث؟»، بل تحاول أيضًا تفسير الحدث وبيان أسبابه ونتائجه وتأثيره في حياة الناس.
وتتميز الصحافة المفيدة بالتحقق من المعلومات، والاعتماد على مصادر موثوقة، وتقديم السياق الضروري لفهم الأحداث، إضافة إلى معالجة القضايا التي تمس حياة المواطنين، مثل التعليم والصحة والاقتصاد والبيئة والحقوق والقضايا الاجتماعية.
كما يمكن للصحافة المفيدة أن تساعد الفرد على اتخاذ قرارات أكثر وعيًا، وأن تمنحه القدرة على فهم ما يحدث حوله بدلًا من الاكتفاء باستهلاك الأخبار بشكل سريع ومتواصل.
ثالثًا: الفرق بين النوعين
يكمن الفرق الأساسي بين الصحافة الاستهلاكية والصحافة المفيدة في الغاية من إنتاج المحتوى الصحفي. فالصحافة الاستهلاكية تضع جذب الجمهور والانتشار في مقدمة أولوياتها، بينما تضع الصحافة المفيدة خدمة الجمهور وتقديم المعرفة الموثوقة في مركز اهتمامها.
فالصحافة الاستهلاكية قد تقدم خبرًا قصيرًا ومثيرًا يدفع القارئ إلى النقر عليه، بينما تحاول الصحافة المفيدة أن تمنح القارئ صورة أوسع وأكثر وضوحًا عن القضية. الأولى قد تهتم بسرعة النشر، في حين تعطي الثانية أهمية أكبر للتحقق والدقة والسياق.
ومع ذلك، فإن الفصل بين النوعين ليس دائمًا مطلقًا. فمن الممكن أن يكون المحتوى جذابًا ومفيدًا في الوقت نفسه، بل إن هذا هو النموذج الذي ينبغي أن تسعى إليه الصحافة الحديثة: مادة تستقطب القارئ دون أن تتخلى عن مهنيتها ومسؤوليتها الاجتماعية.
رابعًا: مسؤولية الصحفي في العصر الرقمي
أصبح الصحفي اليوم أمام تحديات جديدة نتيجة سرعة انتشار المعلومات وسهولة تداولها. فالمعلومة غير الدقيقة يمكن أن تصل إلى آلاف الأشخاص في دقائق، وقد يؤدي نشرها دون تحقق إلى نشر الشائعات والتضليل والإضرار بالأفراد والمجتمع. |