shopify site analytics
حين يصبح الصمت موقفًا - مكانة كبار المجتمع: لماذا لا تكتمل العافية دون الاعتراف والعرفان؟ - آلية ديمقراطية معقدة بـ 3 جولات - من وراء المسيرة الخضراء/الجزء 13 - مالية العدو تمتنع عن تحويل 40 مليار شيكل لنفقات الحرب! - تعزيز صمود الشعب الفلسطيني ومؤسسات الدولة الفلسطينية - بيان إدانة واستنكار صادر عن الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان بمحافظة الحديدة. - نماء تستقبل أول دفعة من الحراثات وتد مرحلة جديدة لدعم القطاع الزراعي في اليمن - صندوق تنمية المهارات ومركز الرازي يؤهلان كوادر مستشفى النخبة في ادارة الجودة - حليصي يطمئن على صحة وكيل محافظة الحديدة لشؤون الثقافة والإعلام قشر -
ابحث عن:



صنعاء نيوز - هناك سؤال يرافقني كلما فكرت في كبار المجتمع: ماذا يحتاج الإنسان بعد سنوات طويلة من العمل والعطاء والتجربة؟
غالبًا

الثلاثاء, 08-سبتمبر-2026
صنعاء نيوز/ بقلم د غسان شحرور -



هناك سؤال يرافقني كلما فكرت في كبار المجتمع: ماذا يحتاج الإنسان بعد سنوات طويلة من العمل والعطاء والتجربة؟
غالبًا ما تكون الإجابة: الرعاية الصحية، والدعم الاجتماعي، والأمن المادي. وكل ذلك مهم. لكن هناك حاجة إنسانية أخرى لا تظهر في ملف طبي ولا تُقاس في فحص مخبري: إنها أن يشعر الإنسان أن وجوده ما زال مهمًا، وأن خبرته ما زالت ذات قيمة، وأن المجتمع لم يعد يراه فقط شخصًا يحتاج إلى الرعاية والمساعدة.

من هنا بدأت أفكر في مفهوم “كبار المجتمع” أو كبار السن، لا بوصفه وصفًا للعمر فقط، بل بوصفه اعترافًا بالمكانة الإنسانية والتجربة المتراكمة. فليس المقصود شخصًا مشهورًا أو صاحب منصب، بل كل إنسان تقدّم به العمر وحمل معه سنوات من العمل والعطاء والحكايات والمعرفة، مهما كانت خلفيته المهنية أو الثقافية أو الاجتماعية.

وعلى مدى نحو ثلاثة عقود، شاركت في مبادرات وفعاليات عربية ودولية تناولت قضايا الشيخوخة والعافية، من بينها المؤتمر العربي الإفريقي لكبار السن وترابط الأجيال في تونس عام 1999، ومساهمات بحثية في HelpAge International ومجلة الشيخوخة في لندن عام 1993، إضافة إلى مشاركات علمية في ندوة الشيخوخة في مقر الأمم المتحدة بنيويورك، وفي كتاب Issues on Aging and Disability الصادر عن لجنة الشيخوخة في مقر الأمم المتحدة. وقد علمتني هذه التجارب أن حماية الإنسان لا تكتمل بالرعاية الصحية وحدها، بل بالاعتراف بمكانته ودوره وحقه في العرفان.

لقد علمتني سنوات العمل الطبي والتطوعي أن حماية الإنسان تعني أيضًا حماية كرامته، وصوته، وشعوره بالانتماء، وحقه في أن يبقى جزءًا فاعلًا من المجتمع. وربما تكون هذه الحقيقة أكثر أهمية كلما تقدّم الإنسان في العمر.


الصحة ليست غياب المرض

عندما نتحدث عن الصحة والعافية، من السهل أن ننظر إلى المؤشرات الطبية وننسى الإنسان الذي يقف خلفها. لكن العافية الإنسانية أوسع من ذلك. فهي ترتبط بالعلاقات، والمشاركة، والاستقلال، والشعور بالمعنى، والقدرة على اتخاذ القرار، والإحساس بأن للحياة هدفًا.

وتشير الدراسات الحديثة في علم الشيخوخة الاجتماعي إلى أن فقدان الدور الاجتماعي يزيد احتمالات الاكتئاب والعزلة، بينما يعزز الاعتراف بالمكانة الشعور بالمعنى وجودة الحياة بنسبة قد تصل إلى 30–40 في المئة.

وقد يكون التقاعد لحظة مهمة في حياة الإنسان. فهو قد ينهي وظيفة، لكنه لا ينبغي أن ينهي الدور. المشكلة تبدأ عندما تتحول نهاية العمل الرسمي إلى رسالة اجتماعية غير معلنة تقول للإنسان: لقد انتهى دورك.

لكن التقاعد من وظيفة لا يعني التقاعد من الحياة.
فالمعلم المتقاعد ما زالت لديه خبرة يمكن أن تنفع جيلًا جديدًا. والطبيب المتقاعد يحمل سنوات من المعرفة والمواقف الإنسانية. والمهندس والحرفي والمزارع والموظف ورب الأسرة جميعهم يحملون تجارب لا توجد بالضرورة في الكتب.

كبار المجتمع ليسوا عبئًا على الذاكرة

المجتمع الذي ينظر إلى كبار المجتمع باعتبارهم عبئًا يفقد جزءًا من ذاكرته.
كل جيل جديد يبدأ من حيث انتهى الجيل السابق، لكنه يحتاج أيضًا إلى أن يسمع منه ويتعلم من نجاحاته وإخفاقاته. ولهذا فإن التواصل بين الأجيال ليس مجرد علاقة اجتماعية جميلة، بل وسيلة لحفظ الذاكرة والخبرة وبناء الوطن و المستقبل. إنها بالفعل واجب أخلاقي وديني لانملك إلا الالتزام به والعمل على نهجه.

وتؤكد الأدبيات العالمية في علم الذاكرة الجمعية أن المجتمعات التي تضع كبارها خارج المشهد تفقد جزءًا من سرديتها التاريخية وقدرتها على نقل الخبرة بين الأجيال.

ربما نحتاج إلى تغيير السؤال من:
“كيف نرعى كبار المجتمع؟”
إلى سؤال أوسع:
“كيف نضمن أن تبقى لهم مكانة ودور ومعنى؟”

الفرق بين السؤالين كبير. الأول يضع الإنسان في موقع المتلقي للرعاية. أما الثاني فيراه إنسانًا قادرًا على المشاركة والعطاء والاختيار.

من الرعاية إلى المشاركة

يمكن للمجتمع أن يفتح مساحات حقيقية للمشاركة: مجالس استشارية، برامج توجيه وإرشاد، نقل الخبرة إلى الشباب، مبادرات تطوعية، توثيق التاريخ الشفهي، حضور ومشاركة أنشطة ثقافية واجتماعية، وكذلك مشاركة كبار المجتمع في تصميم الخدمات التي تمس حياتهم.

ولا تعني المشاركة إجبار الإنسان على العمل أو النشاط. فالاحترام الحقيقي يعني أيضًا احترام اختياره وراحته واستقلاله. الهدف ليس استخدام خبرة كبار المجتمع، بل الاعتراف بها وإتاحة المجال لمن يرغب منهم في مشاركتها.

الأسرة مهمة… لكن المجتمع مسؤول أيضًا

لا يمكن تحميل الأسرة وحدها مسؤولية الحفاظ على مكانة كبار المجتمع. فالتحولات الاجتماعية والاقتصادية في العالم العربي، كما في الكثير من المجتمعات في العالم، تجعل هذه المسؤولية مشتركة بين الأسرة والمدرسة والجامعة والإعلام والمؤسسات الصحية والثقافية والمجتمع المدني.

نحتاج إلى بيئة تقول لكبير المجتمع: أنت لست خارج المجتمع. نحن نحتاج إلى صوتك، وخبرتك، وذاكرتك، ورؤيتك.

وهنا يأتي دور الإعلام. فالصورة التي نقدمها عن الشيخوخة تؤثر في الطريقة التي ينظر بها المجتمع إلى كبار المجتمع، بل وفي الطريقة التي ينظرون بها إلى أنفسهم. عندما يظهر كبير المجتمع دائمًا باعتباره مريضًا أو ضعيفًا أو محتاجًا، فإننا نختزل إنسانًا كاملًا في جانب واحد من حياته.

نحتاج إلى قصص تظهر أيضًا المعرفة، والخبرة، والعطاء، والأحلام، والقدرة على التعلم والمشاركة.

العرفان ليس احتفالًا

قد نحتفل بكبار المجتمع في مناسبات محددة، كاليوم العالمي لكبار السن في الأول من أكتوبر، ثم نعود إلى الحياة اليومية وكأن شيئًا لم يحدث. لكن الاعتراف الحقيقي لا يحتاج دائمًا إلى احتفال أو مناسبة عابرة.

قد يكون الاعتراف في أن نصغي إليهم. أن نسأل عن رأيهم. أن نستفيد من خبرتهم. أن نحفظ قصصهم. أن نشركهم في القرارات التي تخصهم. وأن نعاملهم باعتبارهم أشخاصًا كاملي القيمة، لا مجرد حالات تحتاج إلى خدمة.

العرفان ليس مجاملة. إنه ممارسة اجتماعية.
والمكانة ليست امتيازًا يمنحه المجتمع لبعض الناس، بل اعترافًا إنسانيًا بحق كل من تقدّم في العمر في أن يبقى مرئيًا ومسموعًا ومحترمًا.

خاتمة

احترام كبار المجتمع ليس مجرد وفاء للماضي. إنه استثمار في الحاضر، ووعد للمستقبل.
المجتمع الصحي ليس فقط المجتمع الذي يطيل عمر الإنسان، بل المجتمع الذي يساعده على أن يعيش سنواته بكرامة ومعنى وانتماء.

وربما تكون الرسالة الأبسط التي يحتاج كل كبير في المجتمع إلى سماعها:
“ما زلت جزءًا منا. وما زال لديك ما تقدمه. وما زال وجودك يعني شيئًا.”

حين نصل إلى هذه القناعة، تصبح رعاية كبار المجتمع أكثر من خدمة اجتماعية. تصبح تعبيرًا عن نوع المجتمع الذي نريد أن نعيش فيه.
مجتمع لا ينسى من بنوه، ولا يهدر خبراتهم، ولا يختزلهم في أعمارهم، ولا يسمح للإنسان أن يفقد مكانته لمجرد أن سنوات العمل قد انتهت.
لأننا جميعًا، إذا امتدت بنا الحياة، سنصل يومًا إلى المكان نفسه.
أضف تعليقاً على هذا الخبر
ارسل هذا الخبر
تعليق
إرسل الخبر
إطبع الخبر
RSS
حول الخبر إلى وورد

ملخصات تغذية الموقع
جميع حقوق النشر محفوظة 2009 - (صنعاء نيوز)