صنعاء نيوز/ د. غسّان شحرور -
ستكونالقمة العالمية للإعاقة (GDS 2028) المقرر انعقادها في الدوحة اختباراً حقيقياً لمدى استعداد المجتمع الدولي لتحويل حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة من مبادئ مُعلنة إلى واقع مُعاش. فبعد أكثر من عقدين على اعتماد اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة (CRPD)، لم يعد التحدي في الاعتراف بالحقوق، بل في تنفيذها. ورغم توسّع التشريعات والسياسات في مختلف الدول، ما زال ملايين الأشخاص ذوي الإعاقة يواجهون حواجز تحدّ من مشاركتهم في الحياة العامة. وإذا لم تتعامل الحكومات والجهات الدولية والقطاع الخاص مع هذه الحواجز بجدية وجرأة، فإن هذه القمة قد تتحوّل إلى محطة أخرى للوعود البراقة التي لا تغيّر شيئاً.
نعم، ما تحقق حتى الآن كثير ومهم، لكنه يبقى أقل من الطموح الذي حملناه يوم شاركنا مع خبراء الإعاقة في وضع اللمسات الأخيرة على هذه الاتفاقية التاريخية.
جوهر المشكلة واضح: الأنظمة هي التي تُنتج الإقصاء، لا الإعاقة نفسها. فالأشخاص ذوو الإعاقة يؤكدون باستمرار أن التمييز ينشأ من البيئات غير المهيّأة، والمواقف المجتمعية السلبية، والمؤسسات التي صُمّمت دون مشاركتهم. التحدي أمام القمة GDS 2028 ليس تقنياً ولا إدارياً، بل هو تحدٍّ أخلاقي يتعلق بالمساواة والكرامة الإنسانية.
التكنولوجيا: الجبهة الجديدة للإقصاء
تُعيد التحولات الرقمية تشكيل التعليم والعمل والصحة والمشاركة المدنية. ويمكن للتكنولوجيا أن تكون أداة تمكين كبرى، لو كانت إمكانية الوصول جزءاً أصيلاً من تصميمها. لكن الواقع مختلف. فوفقاً لتقارير WebAIM، تحتوي غالبية المواقع الأكثر زيارة عالمياً على عوائق تمنع مستخدمي قارئات الشاشة والتقنيات المساندة من الوصول إليها.
وتضيف تقنيات الذكاء الاصطناعي تحديات جديدة. فالخوارزميات المبنية على بيانات منحازة قد تُعيد إنتاج التمييز في التوظيف والتعليم والرعاية الصحية والخدمات الاجتماعية. وقد أظهرت دراسات أن بعض أنظمة التوظيف الآلي تستبعد المتقدمين الذين تختلف أنماط تواصلهم عن “النمط السائد”.
إمكانية الوصول ليست تفصيلاً تقنياً؛ إنها شرط أساسي للمواطنة. وعلى القمة أن تؤكد أن التصميم الشامل والابتكار المراعي للإعاقة يجب أن يكونا معياراً لا استثناء.
المشاركة الاقتصادية: حق لا مِنّة
ما زالت معدلات البطالة والفقر بين الأشخاص ذوي الإعاقة مرتفعة في معظم الدول. وتستمر الفجوات في التعليم والتدريب المهني والنقل والعمل وريادة الأعمال والحصول على التقنيات المساندة. ومع تسارع التحولات الاقتصادية والرقمية، قد تتسع هذه الفجوات ما لم تُدمج الإعاقة في سياسات سوق العمل.
المشاركة الاقتصادية ليست قضية رفاه اجتماعي، بل قضية حقوق وعدالة وتنمية مستدامة. وعلى القمة أن تدفع نحو التزام فعلي بتهيئة بيئات العمل، ودعم ريادة الأعمال الشاملة، وتطوير نظم الحماية الاجتماعية، وفتح الفرص في القطاعات الاقتصادية الجديدة.
العدالة الصحية: درس لم نتعلمه بعد
كشفت جائحة كوفيد‑19 هشاشة الأنظمة الصحية تجاه الأشخاص ذوي الإعاقة. فقد برزت مشكلات في الوصول إلى المعلومات الصحية، وانقطعت خدمات التأهيل، وظهرت ممارسات فرز طبي تمييزية. وما زالت الحواجز المالية والجغرافية والمجتمعية تعيق الوصول إلى الرعاية الصحية المتكافئة.
تحقيق العدالة الصحية يتطلب الانتقال من النموذج الطبي للإعاقة إلى نموذج قائم على الحقوق، يضمن إمكانية الوصول، والقدرة على تحمّل التكلفة، والمشاركة الفعلية في القرارات الصحية.
السياسات الشاملة: الفجوة بين النص والتطبيق
رغم تبنّي العديد من الدول تشريعات واستراتيجيات وطنية متوافقة مع اتفاقية حقوق الإشخاص ذوي الإعاقة، فإن التنفيذ ما زال متعثراً. فالقوانين موجودة، لكن الحواجز باقية في التعليم والنقل والسكن والعدالة والخدمات العامة. وما زالت الإعاقة تُعامل كقضية قطاعية ضيقة بدلاً من كونها أولوية عابرة للقطاعات.
بناء أنظمة شاملة يتطلب آليات مساءلة قوية، وبيانات مصنّفة موثوقة، وتمويلاً مستداماً، ومشاركة حقيقية لمنظمات الأشخاص ذوي الإعاقة.
تحديات عالمية جديدة تتطلب التزاماً جديداً
إن المعيار الحقيقي للشمولية لا يُقاس بكيفية معاملة الأشخاص ذوي الإعاقة في الأوقات المستقرة، بل بقدرة المجتمعات على حماية حقوقهم خلال التحولات التكنولوجية، والاضطرابات الاقتصادية، والأزمات الإنسانية، والنزاعات.
فالتغير المناخي، والكوارث، والنزوح، والصراعات المسلحة تؤثر بشكل غير متناسب على الأشخاص ذوي الإعاقة. ومع ذلك، ما زالت خطط الاستجابة الإنسانية والتكيّف المناخي وبناء السلام تفتقر إلى الدمج الحقيقي للإعاقة.
الإرادة السياسية والتمويل: العامل الحاسم
ما زالت الإعاقة تعاني من نقص مزمن في التمويل داخل الموازنات الوطنية وبرامج التنمية. والالتزامات بلا موارد لا تُنتج نتائج. كما أن الإرادة السياسية تظل عاملاً حاسماً. ويجب أن يبقى مبدأ “لا شيء يخصّنا بدوننا” في صميم التحضير للقمة، بحيث يكون الأشخاص ذوو الإعاقة شركاء في صنع القرار، لا متلقّين للسياسات.
الخلاصة
لن يُقاس نجاح القمة 2028 بعدد البيانات الصادرة أو الوعود المعلنة، بل بعدد الحواجز التي أُزيلت، والخدمات التي أصبحت متاحة، والفرص التي فُتحت، والحياة التي تحسّنت.
لقد آن أوان إنهاء عصر الوعود غير المنفَّذة. والتقدم الحقيقي يتطلب عملاً قابلاً للقياس، واستثماراً مستداماً، وقيادة قادرة على تحويل الشمول من مبدأ إلى ممارسة.
+د. غسّان شحرور
طبيب وكاتب غزير الإنتاج وباحث في قضايا الصحة والثقافة والإعاقة وحقوق الإنسان، يساهم منذ عقود في تعزيز الشمولية والعدالة الصحية ودعم منظمات الأشخاص ذوي الإعاقة. |