صنعاء نيوز/ أيوب أحمد هادي -
في عالم السياسة الفسيح، تقف شاشة عملاقة تُدعى "المفارقة"، تُعرض عليها مشاهد لا تخضع لأي منطق سينمائي أو عقلاني. ومن بين تلك المشاهد، يبرز فيلم درامي هوليوودي الإخراج، هزيل النص والسيناريو، بعنوان "صنعاء تستهدف مكة!". إنه عمل سينمائي بإنتاج ضخم وشباك تذاكر خاوٍ إلا من تصفيق بعض الحضور المفروض عليهم المجاملة البروتوكولية.
ولكي يستوعب العقل حجم السخرية في هذه الحبكة، لا بد من استعادة شريط الذاكرة الرقمية والإقليمية قليلاً. فعندما تهكم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ووجه إهاناته الصريحة للكعبة المشرفة، غرق الخطاب الرسمي الإقليمي في صمت حذر وتأويلات دبلوماسية خجولة، بينما خرج الملايين في شوارع صنعاء والمحافظات الحرة في مسيرات غاضبة دفاعاً عن مقدسات الأمة، في الوقت الذي كانت فيه بعض العواصم تعيد حسابات الجدوى الاقتصادية والسياسية في مقدمتها الرياض.
والفكاهة السوداء هنا تبدأ حين تُصبح صنعاء ذاتها—التي ملأت الساحات غضباً لمقدسات الأمة—هي المتهمة فجأة بالهجوم على الكعبة المشرفة! إنها عملية تحويل مدهشة للمفاهيم تجعل المتابع يتساءل بذهول: هل أصبحت المقدسات مجرد كارت "جوكر" يُسحب من الجيب كلما أُسقطت طائرة في الجبهات أو تعثرت خطة عسكرية؟
غير أن القصة لا تنتهي عند حدود البيان الرسمي المفبرك، بل تمتد إلى الفضاء الرقمي الشاسع لتكشف حجم الفجوة بين امبراطورية التضليل ومجرة الحقيقة.
فعندما يسارع ناشط أو مسؤول في دولة ما لنشر بيان إدانة متسرع لمجاملة الحليف، يتفاجأ بأن أول من يجلده بالحقائق ويسخر من خياله الخصب هم أبناء جلده وشعبه قبل غيرهم، لتتحول تغريدته في دقائق إلى ورشة عمل عالمية لتفكيك الأكذوبة.
وفي مشهد آخر لا يقل طرافة، عندما يحاول حساب تابع لمؤسسات العلاقات العامة أو هيئات الترفيه إنكار خسارة ميدانية بنشر صورة مزيفة، تنهال عليه آلاف الحسابات من مختلف الجنسيات واللغات، معززة بالأدلة الرقمية والإحداثيات الدقيقة، مما يضطر المنشور للتبخر محواً وسحباً من المنصة حياءً وخجلاً.
لقد تشكلت في الساحة الرقمية معادلة جديدة في الحرب الإعلامية، أثبتت أن العقول والضمائر لم تعد تُشترى بالحملات الإعلانية الممولة ولا بجيوش الحسابات الوهمية. فعندما ينشر الإعلام الحربي في صنعاء مقطعاً يوثق مشاهد الميدان، يتكفل الجمهور العابر للقارات بنشره وترجمته بمختلف اللغات، ليحقق ملايين المشاهدات في ساعات معدودة، وبصورة تلقائية تعكس نصرة شعبية متجاوزة للحدود والصراعات.
لقد أثبت الواقع الرقمي أن الملايين المجهزة لإدارة التضليل الإعلامي قد تصنع "ترنداً" لعدة ساعات، لكنها تعجز تماماً عن تصنيع "حقيقة" تصمد أمام الوعي العابر للحدود.
وفي نهاية المطاف، ستظل مكة المكرمة معلماً مقدساً أسمى وأرفع من أن يُقحم في صراعات الإفلاس السياسي والعسكري، وسيبقى الجمهور الرقمي أكثر ذكاءً من أن تنطلي عليه مسرحيات "الذئب المفتعل". |